الجمعة، 13 مارس 2026

الأسرة في الدراما… من قيمة مقدسة إلى ساحة صراع دائمبقلم / وليد


بقلم / وليد عبدالنبي 

لم تكن الدراما يوماً مجرد وسيلة للترفيه العابر، بل كانت دائماً مرآة تعكس صورة المجتمع وقيمه. ومن أكثر الصور التي ظهرت بوضوح في الأعمال الدرامية عبر العقود صورة الأسرة، تلك المؤسسة التي يقوم عليها استقرار المجتمع وتماسكه. لكن المتابع لمسار الدراما العربية يلاحظ تغيراً واضحاً في طريقة تقديم الأسرة، حتى أصبحت في كثير من الأعمال ساحة صراع دائم بعد أن كانت رمزاً للتماسك والاحتواء.
في الدراما القديمة كانت الأسرة تُقدَّم بوصفها ملاذاً آمناً، حتى عندما تظهر الخلافات بين أفرادها كانت تلك الخلافات محدودة ومؤقتة، وتنتهي غالباً بالصلح وإعادة التوازن للعلاقة. كان الأب رمزاً للمسؤولية، وكانت الأم مصدر الحنان، وكان الخلاف العائلي يُطرح باعتباره مشكلة تحتاج إلى الحكمة والتفاهم لحلها.
أما في كثير من الأعمال الحديثة فقد تغيّرت الصورة بشكل ملحوظ. أصبحت الخلافات الأسرية هي المحرك الأساسي للأحداث، وتكررت مشاهد الصراع بين الزوجين، وتم تقديم الخيانة والشك وانعدام الثقة بوصفها أموراً شبه طبيعية داخل العلاقة الزوجية. ومع تكرار هذه الصورة في عمل بعد آخر، يبدأ المشاهد في استيعابها باعتبارها الواقع السائد.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في عرض المشكلات، فالفن بطبيعته يتناول الصراعات الإنسانية، لكن المشكلة تظهر عندما يتم تضخيم هذه الصراعات إلى درجة تجعلها تبدو وكأنها القاعدة العامة، بينما تتراجع النماذج الإيجابية التي تقدم أسرة متماسكة قادرة على تجاوز الخلافات.
ومن الناحية النفسية، فإن تكرار هذا النموذج يؤثر في وعي المشاهدين، خصوصاً الشباب الذين لم يخوضوا تجربة الزواج بعد. فعندما تتشكل صورة ذهنية عن الزواج باعتباره علاقة مليئة بالخيانة والشك والصراع المستمر، قد يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة في فكرة الأسرة نفسها.
كما أن تقديم الأب في بعض الأعمال بوصفه شخصية ضعيفة أو غائبة، أو تصوير الأم في حالة صراع دائم مع الأبناء، يسهم في تشويه الأدوار الطبيعية داخل الأسرة. ومع الوقت قد تتحول هذه الصور الدرامية إلى مرجع غير مباشر لفهم العلاقات الأسرية.
إن الدراما لا تصنع الواقع بالكامل، لكنها تؤثر في طريقة فهمنا له. ولذلك فإن مسؤولية صناع الدراما لا تقتصر على جذب المشاهد أو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، بل تمتد إلى إدراك أثر ما يقدمونه في تشكيل وعي المجتمع وقيمه.
فالمجتمع لا يحتاج إلى أعمال تتجاهل المشكلات، لكنه يحتاج إلى دراما تقدم الصراع بوعي، وتطرح نماذج واقعية تحافظ في الوقت نفسه على قيمة الأسرة بوصفها أساس الاستقرار الإنساني. فالفن الحقيقي لا يكتفي بعرض الجراح، بل يساعد المجتمع أيضاً على فهمها والبحث عن طرق لشفائها.             بقلم...المؤلف والسيناريست.               وليد عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot