الجمعة، 13 مارس 2026

الرضا بالقضاء والقدر من الإيمان

يُعدّ الإيمان بالقضاء والقدر أحد الأركان العظيمة في العقيدة الإسلامية، بل هو من أسس الطمأنينة النفسية والاستقرار الروحي في حياة الإنسان. فالمؤمن الحق لا يرى أحداث الحياة مجرد مصادفات عشوائية، بل يوقن أن كل ما يحدث في الكون يجري بعلم الله وحكمته وتقديره. ومن هنا ينشأ معنى عميق من الرضا والسكينة، يجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة.
إن الرضا بالقضاء والقدر لا يعني الاستسلام السلبي أو ترك السعي والعمل، بل يعني أن يبذل الإنسان جهده كاملاً، ثم يسلّم النتيجة لله مطمئناً إلى حكمته. فالمؤمن يعمل ويجتهد ويخطط، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن النتائج ليست دائماً بيده، وأن الله يختار لعباده ما قد لا يدركون حكمته في اللحظة نفسها.
وقد علّمنا الإسلام هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، فهذه الآية ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي منهج حياة يمنح القلب قوة وثباتاً. فحين يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، تهدأ نفسه ويخفّ قلقه تجاه المستقبل.
والرضا بالقضاء والقدر لا يظهر فقط في أوقات المصائب، بل يظهر كذلك في أوقات النعم. فكما يصبر المؤمن على البلاء، يشكر الله على العطاء، مدركاً أن كلا الحالين اختبار. وقد قال النبي ﷺ: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».
ومن الناحية النفسية، فإن الإيمان بالقدر يخفف كثيراً من مشاعر القلق والاضطراب التي قد تصيب الإنسان عندما لا تسير الأمور كما يتمنى. فالإنسان بطبيعته قد يحزن أو يتألم عند الفقد أو الفشل، لكن الإيمان الحقيقي يحول هذا الألم إلى حالة من القبول الهادئ والثقة في حكمة الله.
إن كثيراً من الصراعات الداخلية التي يعيشها الإنسان اليوم ناتجة عن محاولته السيطرة الكاملة على كل تفاصيل الحياة، بينما الحقيقة أن الإنسان محدود القدرة، وأن هناك أموراً تتجاوز إرادته. وهنا يأتي الإيمان بالقدر ليعيد التوازن للنفس، فيجعل الإنسان يسعى فيما يملك، ويرضى عما لا يملك.
فالرضا بالقضاء والقدر ليس ضعفاً، بل هو قوة إيمانية عميقة، تمنح القلب صلابة في مواجهة الشدائد، وتمنح الروح سلاماً لا توفره أي قوة مادية. ومن يصل إلى هذا المعنى يدرك أن السعادة الحقيقية ليست في أن تسير الحياة كما نريد دائماً، بل في أن نثق أن ما يختاره الله لنا هو الخير، حتى إن لم نفهم حكمته في حينه.
ولهذا كان الرضا مقاماً من أرفع مقامات الإيمان، لأنه يعكس ثقة العبد بربه، ويجعل قلبه معلقاً بحكمة الله وعدله ورحمته. فالمؤمن لا يعيش أسيراً للخوف من المستقبل، ولا أسيراً للحزن على الماضي، بل يعيش مطمئناً في حاضره، راضياً بما قسم الله له، واثقاً بأن ما عند الله خير وأبقى.     بقلم..                                         الدكتورة...سوهير  الطويل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot