هناك، في زاوية مظلمة من عالمنا، يعيش الألم. يتخذ ألف شكل ولون. قد يكون صرخة طفل لا يفهم لماذا تُرفع يد عليه بدلاً من أن تحتضنه. قد يكون عويل كلب مخلص مُقيد بسلسلة باردة، يتضاءل جوعاً وعطشاً ويعذب ايضا ظلما . قد يكون نظرة امرأة منهكة، أو رجل مسن مُهمش، أو طائر سقط من عشه. العنف والأذية هما الوجه الآخر القبيح للحياة، ذلك الوجه الذي نحاول أحياناً تجنبه، لكنه يطل علينا من شاشات الأخبار، ومن خلف أسوار الجيران، وأحياناً من داخل بيوتنا ومجتمعنا .
لكن السؤال الأعمق ليس "هل يوجد عنف؟"، بل "كيف نكون نحن الضمير الذي يصحح المسار؟ كيف نكون اليد التي تمسح الدمعة، لا التي تسببها؟"
أولاً: إزاحة الغبار عن قلوبنا (الوعي يا ساده)
الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل ليست أن ننطلق، بل أن نفتح أعيننا. العنف لا يبدأ بلكمة، بل يبدأ بكلمة جارحة، بنظرة ازدراء، بلامبالاة تجاه ألم الآخر. إنه يبدأ عندما نصنف المخلوقات إلى "مستحقة" و"غير مستحقة" للرحمة اين نحن يا بشر .
لكي نتعامل مع الأذية، يجب علينا أولاً أن نعترف بها. أن نكسر جدار الصمت الذي نبني حولها بحجة "هذه مشاكل الآخرين" أو "هذه ليست مسؤوليتي". المسؤولية تبدأ من لحظة إدراكنا أن كل كائن حي يشعر. الكلب يشعر بالخوف، والقط يشعر بالجوع، والإنسان يشعر بالإهانة. الوعي هو أول وشم ننقشه على جدار الصمت، وشم يقول: "أنا أرى الألم". اشعر به لا يجب ان امارسه علي الاخرين
ثانياً: من الصوت إلى الفعل (كن أنت المأوى)
كم مرة رأينا منشوراً مؤثراً عن حيوان يتعذب أو إنسان يُظلم، ضغطنا "لايك"، ثم مررنا لأعلى؟ التفاعل الرقمي ليس كافياً أبداً. إنه مجرد مسكن مؤقت لضمائرنا.
التعامل الحقيقي مع العنف هو أن تكون أنت المأوى.
· عندما ترى طفلاً يُعنف، لا تلتفت فقط تدخل ولو كلمة واحدة وفعل قد تنقذ طفولة بأكملها.
· عندما ترى حيواناً ضالاً في الحر، اسكب له الماء. لن يكلفك ذلك شيئاً، لكنه يعني له كل شيء عندما تراه يعذب لا تقف مكتوف الايدي.
· عندما تعرف بصديق يتعرض للتنمر، قف بجانبه. وجودك هو درعه وخد خطوه للجهات المختصه
الفعل الصغير المتكرر هو الذي يبني حواجز عظيمة أمام طوفان العنف.
ثالثاً: الرحمة ثورة هادئة (التأثير)
قد يتساءل المرء: "ماذا سيفعل وعاء ماء واحد أمام محيط من القسوة؟". لكن تذكر أن المحيط نفسه ما هو إلا مجموعة من قطرات الماء.
كل مرة تختار فيها اللطف بدل الغضب، وكل مرة تربي فيها أبناءك على احترام النملة قبل الفيل، وكل مرة توقف فيها سيارة لتمر قطة، فأنت ترسم لوحة جديدة لعالم مختلف. أنت تخلق "عدوى" مضادة للعنف. عدوى الخير. الأشخاص الذين يرون اللطف يتأثرون به، وقد ينقلونه لغيرهم. بهذه الطريقة، تتحول الرحمة إلى ثورة هادئة، ثورة تعيد تعريف القوة: ليست في أن تسيطر، بل في أن تحمي.
رابعاً: اغسل جروحك لترى الآخر
كثير منا الذين يرون الألم ويشعرون به، يحملون في داخلهم ألماً قديماً. الجرحى هم من يجرحون الآخرين غالباً. لذلك، لكي نتعامل مع عنف العالم، علينا أن نتعامل مع العنف الذي بداخلنا أولاً.
· سامح نفسك على أخطائك.
· اطلب المساعدة إذا كنت غارقاً في غضب أو حزن.
· تعلم كيف تهدئ من روعك.
السلام الداخلي هو نقطة الانطلاق لصنع سلام خارجي. عندما تمتلئ كأسك أنت، فسيصبح لديك ما تسكبه للآخرين. الشخص المتصالح مع نفسه هو الوحيد القادر على مد يد العفو والمساعدة لمن حوله، بشراً كانوا أو حيواناً.
العالم لن يتغير بين ليلة وضحاها. الوحوش لن تختفي، والألم سيظل موجوداً. لكننا نستطيع أن نصنع غابةً داخل هذه الغابة. غابة من القلوب التي ترفض أن تكون قاسية. مجتمعاً من الأفراد الذين جعلوا من مهمة "التضميد" هدفاً لحياتهم.
في النهاية، قيمتنا الحقيقية كبشر لا تُقاس بما نجمعه من مال، بل بما نحمله من ألم الآخرين في قلوبنا، وبما نفعله لتخفيفه. العنف جدار صمت، وأملنا هو أن نكون الوشم المنقوش عليه: كلمات من نور، وصور من رحمة، تروي للأجيال القادمة أننا كنا هنا، وأننا حاولنا.
كن أنت الأمل الذي تبحث عنه. ابدأ الآن.
بقلم دكتور شيرين فؤاد
استشاري تدريب وتطوير دولي معتمد ولايف كوتش معتمد ومعالج بالتقنيات الشعوريه و البرمجه اللغويه العصبيه وDpt Cbt وعلم النفس الايجابي واستشاري تدريب في الاتحاد الدولي للمدربين العرب
مبدعه
ردحذف