لفترة طويلة كان النفط يُنظر إليه باعتباره أهم مورد استراتيجي في العالم. فالدول تتحالف وتتنافس، بل وتدخل في صراعات أحيانًا من أجل السيطرة على مصادر الطاقة. لكن مع تطور الاقتصاد العالمي وتوسع التجارة الدولية، برز عامل آخر لا يقل أهمية عن النفط نفسه، وهو الممرات البحرية التي تمر عبرها التجارة العالمية.
اليوم يعتمد الاقتصاد العالمي بشكل كبير على النقل البحري. فحوالي 80 إلى 90 في المائة من التجارة العالمية تنتقل عبر السفن. وهذا يعني أن حركة السلع والطاقة والغذاء تمر عبر عدد محدود من المضايق والقنوات البحرية التي أصبحت تمثل شرايين الاقتصاد العالمي.
من أبرز هذه الممرات الاستراتيجية مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط في العالم، خصوصًا من دول الخليج. أي اضطراب في هذا المضيق قد يؤدي فورًا إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
كما تمثل قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تختصر آلاف الكيلومترات من الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا. ويعبر عبرها جزء كبير من تجارة الحاويات والطاقة، ما يجعل أي تعطّل في الملاحة داخلها يؤثر بسرعة على سلاسل الإمداد العالمية.
ومن الممرات المهمة أيضًا باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. هذا المضيق يعد طريقًا حيويًا لحركة التجارة بين أوروبا وآسيا، ويكتسب أهمية إضافية بسبب قربه من مسارات الطاقة والتجارة القادمة من الخليج.
السبب الذي جعل الممرات البحرية أكثر حساسية من النفط نفسه هو أن النفط، رغم أهميته، يمكن تعويضه من مصادر مختلفة نسبيًا. أما الممرات البحرية فعددها محدود للغاية، ولا يمكن استبدالها بسهولة. فإذا تعطل أحد هذه الممرات، تضطر السفن إلى اتخاذ طرق أطول بكثير، ما يزيد تكلفة النقل ويؤخر وصول السلع.
وقد ظهر ذلك بوضوح عندما تعطلت الملاحة في قناة السويس لفترة قصيرة قبل سنوات، حيث اضطرت مئات السفن إلى الانتظار أو تغيير مسارها حول أفريقيا، وهو ما أدى إلى تأخير كبير في حركة التجارة العالمية.
إضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد العالمي اليوم يعتمد على ما يسمى سلاسل الإمداد السريعة، حيث تنتقل المواد الخام والسلع بين القارات بشكل مستمر. أي تعطّل في هذه السلاسل، حتى لو كان مؤقتًا، يمكن أن يؤدي إلى نقص في السلع وارتفاع الأسعار في الأسواق.
لهذا أصبحت السيطرة على الممرات البحرية وتأمينها قضية استراتيجية كبرى بالنسبة للدول. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بنقل النفط، بل بنقل كل شيء تقريبًا: الغذاء، والمواد الصناعية، والإلكترونيات، والطاقة.
في النهاية، يكشف الاهتمام المتزايد بالممرات البحرية عن تحول مهم في طبيعة الاقتصاد العالمي. فالقوة لم تعد تقاس فقط بامتلاك الموارد، بل أيضًا بالقدرة على التحكم في الطرق التي تمر عبرها هذه الموارد إلى العالم.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق