قد يتساءل كثير من الناس: لماذا يتأثر الجنيه المصري سريعًا عندما تندلع حرب أو أزمة سياسية في المنطقة، حتى لو لم تكن مصر طرفًا مباشرًا في هذا الصراع؟
الإجابة لا تتعلق فقط بالاقتصاد المصري نفسه، بل بطبيعة النظام المالي العالمي وكيف تتحرك الأموال فيه عند الأزمات.
أول ما يحدث عادة عند اندلاع أي حرب أو توتر سياسي كبير هو حالة من القلق في الأسواق العالمية. المستثمرون، سواء كانوا مؤسسات مالية أو صناديق استثمار، يسارعون إلى تقليل المخاطر في محافظهم الاستثمارية. وفي هذه الحالة تميل الأموال إلى الخروج من الأسواق الناشئة والاتجاه نحو ما يسمى “الملاذات الآمنة” مثل الدولار أو الذهب أو السندات الأمريكية.
ومصر، مثل كثير من الدول النامية، تعتمد جزئيًا على الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين مثل أذون وسندات الخزانة. هذه الاستثمارات يمكن أن تدخل السوق بسرعة، لكنها أيضًا قادرة على الخروج بسرعة أكبر عند حدوث أي اضطراب عالمي. وعندما تخرج هذه الأموال يحدث ضغط على العملة المحلية.
العامل الثاني يتعلق بأسعار الطاقة. فالحروب في الشرق الأوسط غالبًا ما تؤثر على أسعار النفط والغاز عالميًا. وإذا ارتفعت أسعار الطاقة، فإن الدول المستوردة للوقود تتحمل تكلفة أعلى في فاتورة الاستيراد. ومصر، رغم إنتاجها للطاقة، ما زالت تستورد جزءًا من احتياجاتها، خصوصًا من المنتجات البترولية. ارتفاع هذه الفاتورة يعني زيادة الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد، وهو ما يضغط على سعر الجنيه.
هناك أيضًا عامل مهم يتعلق بقطاع السياحة. فالسياحة تعد أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية في مصر. وعندما تتوتر الأوضاع في المنطقة، حتى لو كانت بعيدة نسبيًا عن مصر، قد يتردد بعض السياح في السفر إلى الشرق الأوسط عمومًا، ما يؤدي إلى تباطؤ في تدفق العملة الأجنبية.
ولا يمكن تجاهل دور قناة السويس في هذا السياق. فالتجارة العالمية تتأثر كثيرًا بالحروب والتوترات الإقليمية. وإذا تراجعت حركة التجارة أو تغيرت مسارات الشحن البحري، فقد تتأثر إيرادات القناة، وهي أيضًا مصدر مهم للدولار.
إلى جانب كل ذلك، هناك ما يمكن تسميته العامل النفسي في الأسواق. فالأسواق المالية لا تتحرك فقط بالأرقام، بل أيضًا بالتوقعات والمخاوف. وعندما تنتشر أخبار الحروب أو الأزمات، يميل المستثمرون إلى اتخاذ قرارات سريعة لتقليل المخاطر، حتى قبل أن تظهر آثار اقتصادية حقيقية.
لهذا يبدو أحيانًا أن العملات في الدول النامية تتأثر بسرعة بالأحداث العالمية، ليس لأن اقتصادها ينهار فجأة، بل لأن حركة رؤوس الأموال العالمية أصبحت شديدة الحساسية لأي اضطراب سياسي أو عسكري.
في النهاية، يكشف تأثر الجنيه المصري بالحروب في المنطقة عن حقيقة أوسع: الاقتصاد العالمي اليوم مترابط إلى درجة كبيرة. فالأزمات لم تعد محصورة داخل حدود الدول، بل يمكن أن تنتقل آثارها بسرعة عبر الأسواق والمال والتجارة، لتصل إلى أماكن لم تشارك أصلًا في تلك الأزمات.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق