كان الصمت يخيم على غرفة "محمد" بالمستشفى إلا مِن واقع خطواتهم الثقيلة وهم يسيرون خلف الجدة "ذكية"، يشدّهم الخوف ويقودهم الأمل.
حين دخولهم غرفة "محمد" مع الجدة "ذكيه" "سحر" و"محمود" و"آمال" برفقتها إلى غرفة "محمد"، حيث كان يرقد على فراشه شاحب الوجه، يتنفس بصعوبة، وإلى جانبه الأم "آنعام" وأخيه "أحمد"، يتناوبان عليه نظرات الفقد والرجاء ، وبعد أن علموا ما حدث لاخيهم مِن أمهم ، وما دار "لمحمد" مِن إنهيار عصبي حين عٓلم ببتر قدمه ، وصار معه ما صار .
أقتربت الجدة "ذكية" مِن "آمال" وربّتت على قلبها، وهمست بصوت متماسك رغم الوهن:
— "اصبري يا بنتي، هذا قدر الله ... المهم أنه على قيد الحياة، ومازال يتنفس، ربك كريم.
حتى جاء المساء ودخل عليهم الليل ، وفي هذه اللحظة دخل الطبيب بهدوء، وألقى نظرة فاحصة على "محمد"، بعد أن أعطاه الحقنة المهدئه بساعة، ثم قال بنبرة عملية:
— "مِن فضلكم، محتاجين الغرفة خالية،فرد واحد فقط يرافقه الليلة ويظل معه."
استدارت "آنعام" فورًا وقالت:
— "أنا مٓن سيظل معه، لا أحد غيري يرافقه ، هذا ابني يا دكتور." لن أستطيع تركه وحده .
لكن "أحمد" أعترض بلطف، وربت على كتفها:
— "لا يا أمي، عودي إلى البيت وخذي قسط مِن الراحة، خدتِ كفايتك. أنا مٓن يرافق "محمد"، وعودي إليه غداً أول الصباح ."
احتدت نظرات الأم، معلّقة بين الحزن والعناد، لكنها أمام إصرار ابنها، رضخت في النهاية.
ضمته إلى صدرها، وقبّلت جبينه، وهمست:
وهو نائم وقالت "لأحمد" :
— "أعتني بأخيك، يا "أحمد"... "محمد" قطعة مِن قلبي."
خرج الجميع مِن المستشفى، تاركين "أحمد" على كرسي جانبي قرب سرير "محمد"، يراقب شقيقه وقد غلبه النوم المُتعب والمُخدر.
ذهبوا جميعاً للبيت ،و
بعد دقائق مِن وصولهم البيت، جلسوا في الصالة ، رنّ جرس الهاتف.
اندفعت "آمال" ترد، وما أن سمعت صوت أبيها، حتى تفجرت دموعها كالسيل.
— "أبي...
انحشر صوتها في البكاء.
ارتبك "رفاعي" على الطرف الآخر:
— "ما بك يا "آمال....؟
لماذا صوتك هكذا .....؟
ماذا حدث....؟!"
أخذت الأم السماعة سريعًا مِن يد ابنتها، محاولة لملمة المشهد:
— "السلام عليكم يا "رفاعي..."
كان صوتها مخنوقًا بالشجن، والدموع ترقرق في عينيها.
قال رفاعي:
— "أحاول الإتصال بكم منذ وقت الظهيرة، لم يجيبني أحد، قلقت... ماذا بكم....؟
أنتم بخير ولما تبكين يا "أنعام".....؟!
حاولت "أنعام" أن تتماسك:
— "الحمد الله كل ما يأتي مِن عند الله خير... الحمد لله يا "رفاعي..."
صرخ بها:
— "تحدثي....!
لا تزيدي قلقي أكتر ...!
ماذا حدث معكم.....؟!"
قالتها "آنعام" دفعة واحدة، كأنها تطعن نفسها بالكلمات:
— "محمد يا رفاعي..." تعرض لحادث، ودخل المستشفى، وكان به نزيف شديد، وقَطع في أوردة قدمه... ولم يوجد حل لدى الأطباء غير بترها، للحفاظ على حياته .
هذا ما اجتمع عليه الأطباء، يا "رفاعي..." بتروا قدمه."
خيم الصمت للحظة، ثم جاءه الصوت الموجوع:
— "ماذا تقولين.....؟!"
صوت بكاء مفاجئ على الطرف الآخر، صراخ مخنوق ورجفة قلب أب مغترب.
انهارت "آنعام" بالبكاء، وعجزت عن المواساة.
خطفت الجدة "ذكية" السماعة منها وقالت بثبات الجبال:
— "يا "رفاعي... احمد ربك إن إبنك على قيد الحياة... نحن مؤمنين... و هذا قدر، وربنا أختار له الحياة عن الموت ونجاه، فاشكر الله وارضَى بما قسمه الله" لك وبعد إنتهاء المكالمة.
ساد البيت وجع مشترك، نظرات تتلاقى ولا تنطق، تتحدث بالصمت أكثر مما تعبّر بالكلمات.
تحدثت "سحر" لأول مرة منذ عودتهم:
— "ياااه... ماكنت أتخيل الذي حدث "لمحمد" كان بيضحك مِن يومين معانا....!"
ردّت "آمال" بعين دامعة:
— " إن القدر يغير الحياة في لحظة، يا "سحر... في لحظة."
قال "محمود" وهو ينظر في الأرض:
— "الحمدلله ربنا أنقذه، ... كان ممكن نفقده، لكن هو مازال معانا، وسوف يكمل حياته." الحمد الله.
ردّت الجدة بهدوء:
— "الحياة ليست بالقدم، يا وألادي، الحياة بالعزيمة... و"محمد" سوف يثبت لنا هذا."
بإذن الله تعالى، وقالت الجدة للجميع يجب عليكم أن تخلدوا للنوم لتستريحوا ، كان اليوم يوماً شاقاً ، حتى نستطيع الذهاب غداً في الصباح الباكر "لمحمد"، ردتت "آنعام" اسمعوا كلام جدتكم يا أولادي .
ثم نهض الجميع بهدوء، كلٌّ إلى غرفته، وأغلقوا أبوابهم على وجعٍ لا يُنسى.
لكن "آنعام... لم يغفل لها جفن تلك الليلة.
ظلت جالسة على طرف سريرها، تتقلب بين الدعاء والذكرى بإسترجاع شريط حياة "محمد" منذ الطفولة إلى ما حدث له ، والدمعة لا تفارق خدها.
وفي عقلها، ظلت الصورة الحارقة صورة قدم "محمد" المبتورة، حين رفعت الغطاء لتطمئن عليه داخل المستشفى، فانهار قلبها، وتذكرت لحظة إفاقة "محمد" وانهاريه حين عٓلم ببتر قدمه ، حتى أنهارت بالدموع وهى بمفردها داخل غرفتها ، وما بها غير أن تتذكر كلام أمها "ذكيه أم السيد" ، لتناجي ربها وتدعوا بثبات قلبها ،
وحينها صعب عليها "محمد" إلى أن . بقلم. عاشقة الوطن....سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق