أشرقت الشمس في ذلك الصباح وكأنها لم تغب عن السماء ليلًا، فقد كان الليل طويلًا، لا يحمل في طياته نعاسًا، ولا في أضلعه راحة.
أستيقظ الجميع مبكرين، كأنما أحدق في قلوبهم قلق خفي، فلم يطرق النوم أبوابهم رغم إرهاقهم، ولم تطرق الأحلام نوافذهم، وكأن الليل كله جلس قرب وسائدهم يعد أنفاسهم القلقة.
في مطبخ البيت، كانت الجدة "ذكيّة" تتحرك بخفة رغم عمرها، تنفخ على نارٍ هادئة، وتُعد وعاءً مِن شوربة الخضار "لمحمد"، وتغسل ديكًا بلديًا كانت قد أخرجته مِن الفريزر مع أول خيط للفجر.
قالت وهي تقطع الجزر والبطاطس بعناية:
– "محمد فقد الكتير مِن دمه... لابد أن يأكل جيداً، حتى يقوى جسده مرة ثانية ... شوربة الخضار والديك البلدي سوف يعيدون صحته وتعود أفضل مِن قبل بإذن الله."
دخلت "آنعام" المطبخ وهي تربط طرحتها فوق رأسها، نظرت إلى أمها وقالت بدموع تحبس بعينيها :
– "ربي لا يحرمنى منك يارب يا أمي... قلبك كبير وحنانك لنا لم ينقص يوماً دائماً تحيطينا بحبك وتحتوينا."
فأجابت الجدة بنبرة فيها دعاء:
– "ياريت أنا التي كانت مكان "محمد" و اتألم بدلاً منه"محمد... قطعة مِن قلبي وأعز الولد ولد الولد يا أنعام."
بينما كانت "آمال" تنظف غرفة "محمد" وتطوي البطانية على السرير الفارغ، وتذكرت أخيها فندسلت الدموع مِن عينيها، كان الجو مشحونًا بالصمت، صمت فيه كل كلمة تعني شيئًا، وكل حركة تنطق بقلق دفين.
وفي تلك اللحظة، رن جرس التليفون...
قفز قلب "آنعام"، وسارعت لترد، ثم استقر صوت "رفاعي" على الطرف الآخر، صوته متعب، مجهد، كأنما لم يذق نومًا أيضًا.
قال لها بصوت منخفض لكنه يحمل رجفة قلق: – "آنعام... طمئنيني عن صحة"محمد" الأن كيف حالته....؟"
أجابت وهي تحاول أن تثبت صوتها:
– "مازال في المستشفى... حالته مستقرة الحمد الله، لكن يحتاج وقت... الدكتور قال يحتاج راحة تامة وعناية بالأكل والهدوء."
سكت قليلًا، ثم قال:
– " هل أخبرك الطبيب عن موعد خروج "محمد" ، واستقرار حالته .
أجابته وهي تحاول أن تثبت صوتها:
– اليوم عندما أذهب إليه في المستشفى ،سوف أستفسر من الطبيب المعالج له، عن موعد الخروج.
سكت قليلًا، ثم قال:
– "أنا حاولت أن أخذ إجازة وأنزل... والله ليس لي طاقة للغربة بعيد عنكم ."
لكن جاء صوت زوجته مِن الخلفية، بنبرة حادة:
– "رفاعي..! اطمئن نحن جميعاً بجانب "محمد" ، ولقد أخبرتك مِن قبل مجيئك إلى "مصر" لا يغير القدر ، فهذا قدر الله لا أعتراض عليه .
فرد عليها رفاعي و قال :
و " نعمه بالله ".
ثم أكملت بصوت حزين أنت معانا بقلبك وروحك ، والله معانا جميعاً: – وأكملت "آنعام"، لا داعي أن تترك عملك وتنزل الأن، نحن جميعاً مع بعضنا البعض وأمي معي اطمئن ، فكل شيء سيصبح على ما يرام ،
وكانت "آنعام" تحاول إحتواء الحوار:
– "أنا فاهمة... ونحن مقدرين... لكن يا "رفاعي" كما قلت:
لك نزولك لا يغير مِن الأمر شيء ، فقال "رفاعي" ابني يحتاج والده بجانبه الأن..."
و قال بصوت مكسور:
– "أعتني به كثيراً يا "آنعام..." قولي له أبوك بيسلم عليك ، وأنه لم يغيب لحظة عن بالي ."
فقالت : "آنعام" '"لرفاعي" أنت ربيت ابنك على تحمل المسؤولية ، وعلى أن يكون رجلاً متحملاّ الصعاب، وأنا واثقة أن ابننا سيتحدى جميع العواقب ومرور هذه المحنة و يرضى بما قسمه الله له.
فقال لها رفاعي:
أوصيكِ أن تعتني به وحاولِ أن تربتِ على قلبه بذكر الله ، لتدعميه نفسياً عما يمر به ، وما هو آتي ، واوصيكِ على الجميع وعلى ذكر " الله " دائماً،
فردتت عليه "أنعام" بالدعاء ربي يحفظك ويحفظ ولادنا أعتني بنفسك وحاولِ أن تخف التفكير يا "رفاعي" وأهتم بصحتك فنحن نحتاج لك جميعاً.
ثم إنتهت المكالمة بصمت ثقيل، يحمل مِن الوجع ما لا تقوله الكلمات.
بعد قليل، استقلوا سيارة الأجرة متجهين نحو المستشفى.
كانت الجدة تحمل وعاء الشوربة بحذر، بينما أمسكت أنعام بكيس فيه الدواء وبعض الملابس النظيفة.
دخلوا المستشفى بخطى ثقيلة، وتوجهوا إلى غرفة "محمد"، فكان مستلقيًا على السرير الأبيض، وجهه شاحب لكن ملامحه بدأت تسترد هدوءها.
"أنعام" جلست قربه، ومررت يدها على جبينه برفق:
– "صباح الخير يا حبيبي..."
فتح "محمد" عينيه بصعوبة، ونظر إلى والدته وعيناه تفيض بالدموع صباح الخير يا أمي .
قالت : له "أنعام" أنت رجل يا "محمد" ومنذ الصغر وأنت تتحمل المسؤولية وتتحدى الصعاب .
يجب أن تعتني بالغذاء الصحي وأخذ الدواء لتشفى في أسرع وقت ، البيت ليس له طعم بدونك يا "محمد" .
– أعدتُ لك شوربة خضار أعدتها لك جدتك
ضحكت الجدة مِن الباب:
– "أعدت لك شوربة لم تذوقها مِن قبل ، هذه شوربة الأبطال يا بطل...!"
دخل الطبيب بهدوء، شاب في الأربعين مِن عمره، يحمل ملفات بين يديه، وفي وجهه البشاشه والقبول، ألقى نظرة على الأجهزة ، فنظرت إليه "آنعام" بقلم. عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق