الاثنين، 9 مارس 2026

دفء الغربة


كانت الشمس قد غربت عن مدينة "نيويورك"، وانسحب النهار من شوارعها المكتظة، بينما في شقة صغيرة بالدور الثالث من مبنى قديم، اجتمعت أسرة "رفاعي أبو بكر" حول مائدة العشاء.

مائدة متواضعة، لكنها كانت تحمل فوقها أطايب الشوق، وبهجة اللقاء، وعرق الغربة.

دخل العم "عزيز "وهو ينفض عنه برد الخارج، وقال ممازحًا:
– "لقد جئت… رائحة الأكل وصلتني من أول الشارع"
ضحك محمود وقال:
– " لم تاتي لأجلي؟"
– "لو لم يوجد أكل، كنت أتيت إلى هنا ، لكن لم تمكن بنفس السرعة!"
ضحك الجميع، وابتسم "رفاعي" وقال:
– "هذا التجمع العائلي هو من يجعلني  قادر أن أكمّل المشوار."

جلست "أنعام" وقد بدت عليها ملامح التعب من يوم شاق في الفندق، بينما "آمال" بجوارها تساعدها في ترتيب الأطباق.
أما "سحر"، فقد بدت مختلفة، ملامحها تزداد قوة يومًا بعد يوم، كأن الغربة صقلتها قبل أوانها.

قال "رفاعي" وهو يسكب الشوربة:
– "ما هي أخبار المدرسة يا سحر؟"
– "اللغة لسه صعبة كثيرُا… لكن بدأت أفهم، وأصبحت أرد. يوجد بنت من المكسيك صحبتني اليوم، اسمها ماريا، جلسنا سويا  في الكافتيريا."
– قالت لها "أنعام"  شُاطرة…هذه الصحبة الحلوة تسهل كل حاجة."
قالتها "أنعام" وهي تربّت على يد ابنتها.

وأضاف "محمود" وهو يرفع يده كأنّه في فصل دراسي:
– "وأنا كذلك! 
أصبح لي صديق اسمه جيم، يلعب كرة ويحب الأفلام العربي القديمة!"
ضحك الجميع.

أما "محمد"، فكان يجلس في زاوية المائدة، يزيح عن كتفه آثار التعب بعد يوم طويل في المطبعة.
قال:
– "اليوم تعلمت أركّب الرول الجديد بمفردي… المدير مدحني وقال لي: (You're fast, Mohamed!)"
صفّق محمود وقال:
– "محمد" الإنجليزي!"

التفت "رفاعي" إلى زوجته وقال:
– "وإنتِ يا أنعام، ماذا عن أخبار الفندق؟"
ردّت وهي تزيح خصلة من شعرها المتعرق:
– "الشغل كتير، وواقف على أعصابي، لكن الحمد لله… بدأت أتعلم النظام، و"آمال" بتساعدني في الترتيب وتحضر الطلبات."
ابتسمت "آمال" وقالت بفخر الطفولة:
– "أنا بعمل قهوة للعملاء ايضُا!"
– "ولم تقع مني على أحد...؟"
قال "عزيز" ضاحكًا وأنا تعلمت أكل المحشي من يد "أنعام"، فتفجّرت الضحكات مجددًا.

وبعد العشاء، جلسوا في غرفة المعيشة، أنوار خافتة، وصوت المدفأة يهمس في الخلفية.
قالت "سحر" فجأة:
– "يجب أن نتصل بجدتي؟ 
منذ وقت كتير لم أسمع صوتها."
أمسكت "أنعام" الهاتف، واتصلت…
رنّ الهاتف طويلاً، ثم جاء صوت الجدة ذكية، متهدّجًا، ضعيفًا، لكنه يحمل ذات الحنان.

– "ألو....؟"
– " أمي… نحن جميعاً بخير هنا، نطمنك."
– "حبايبي… أنعام؟
وسحر؟
وآمال؟
أنتم بخير؟"
ردّت "سحر":
– "بخير يا جدتي، وكل يوم نتذكرك."
دخل صوت محمود:
– "بحكي عنك في المدرسة كثيرُا، وأقول لزملائي عندي جدة جدعة في مصر!"
ضحكت الجدة، ثم قالت بصوت فيه رعشة:
– "ربنا يوفقكم… أنا منتظره "أحمد" ينزل أجازته، ليملىء عليا البيت وأراكم فيه هو الذي باقي معي منكم في البيت."

ساد صمت قصير في الغرفة، و"رفاعي" تنحنح قائلاً:
– "ادعي لنا يا أمي، الدنيا ليست سهلة هنا، لكن التجمع هذا نعمة."
ردّت:
– "التجمع في الغربة وطن، وربنا يجمع شملكم دايمًا… وتكونون دائمًا سند لبعض."


أُغلق الخط، وضلت الجدة تنظر إلى الهاتف...
وفي "نيويورك"، جلسوا صامتين لحظة، وكأن صوت الجدة ترك في قلوبهم شيئًا من الوطن… شيئًا لا يغيب.

في تلك الليلة، وعلى الرغم من التعب والشتات…
نام الجميع وهم يشعرون أنهم – رغم كل شيء – أسرة واحدة، على قلبٍ واحد، وحلمٍ واحد، ومائدةٍ دافئة وسط برد الغربة.                 بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot