بقلم / وليد عبدالنبي
منذ نشأة الفن الدرامي في الحضارات القديمة، لم تكن الدراما مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت رسالة إنسانية وأخلاقية عميقة. فقد رأى الفيلسوف اليوناني Aristotle أن الدراما تحقق ما سماه التطهير النفسي أو الكاثارسيس، حيث يعيش المتلقي مشاعر الخوف والشفقة من خلال العمل الفني، فيخرج أكثر صفاءً ونقاءً على المستوى النفسي والأخلاقي.
كانت المأساة اليونانية لدى كتاب مثل Aeschylus وSophocles وEuripides تقدم دروساً إنسانية عميقة عن العدالة والقدر والمسؤولية الأخلاقية. لم تكن المسرحيات آنذاك تهدف إلى الإثارة الرخيصة، بل إلى بناء وعي الإنسان وتهذيب مشاعره.
حتى في العصر الحديث، عندما ظهرت الدراما الواقعية على يد كتاب كبار مثل Henrik Ibsen، ظل الهدف الأساسي هو كشف عيوب المجتمع من أجل إصلاحها، لا من أجل ترويجها أو تحويلها إلى نماذج جذابة ومغرية.
لكن السؤال المؤلم اليوم هو:
كيف تحولت الدراما من أداة للتطهير النفسي إلى وسيلة للتدنيس النفسي؟
الوساطة… حين ينهار معيار الموهبة
أحد أخطر أسباب تدهور الدراما هو انتشار الوساطة والمحسوبية داخل الوسط الفني. لم تعد الموهبة هي الطريق الطبيعي إلى الشاشة، بل أصبح الطريق يمر أحياناً عبر علاقات شخصية أو مصالح متبادلة.
وفي بعض الحالات المؤلمة، يتحول الأمر إلى استغلال فج، حيث يُلمَّح لبعض الوجوه الجديدة بأن طريق النجومية قد يمر عبر إرضاء رغبات غير أخلاقية لبعض المسؤولين عن الأعمال الفنية، تحت شعارات براقة مثل:
"سنصنع منك نجمة".
وهنا لا تسقط الموهبة فقط، بل يسقط الفن نفسه.
حين تتحول الإثارة إلى سياسة فنية
الدراما في كثير من الأعمال المعاصرة لم تعد تسعى إلى بناء شخصية إنسانية معقدة أو تقديم قضية اجتماعية عميقة، بل أصبحت تعتمد على وصفة سهلة:
مشاهد جريئة أو إيحاءات مبتذلة
علاقات غير أخلاقية تُقدَّم بشكل جذاب
لغة حادة أو ألفاظ خارجة
شخصيات سلبية تتحول إلى أبطال
وكأن صناع بعض الأعمال يراهنون على أن الإثارة الأخلاقية هي الطريق الأسرع للنجاح التجاري.
لكن المشكلة أن الفن حين يتحول إلى مجرد أداة لإثارة الغرائز، فإنه يفقد قيمته الثقافية، ويتحول إلى ما يمكن وصفه بـ الدراما المُدنَّسة.
من رسالة الفن إلى تسويق الانحلال
المفارقة المؤلمة أن الدراما التي كانت في الماضي وسيلة لنقد الانحراف أصبحت اليوم في بعض الأحيان أداة لتطبيعه ونشره.
فبدلاً من أن يرى المشاهد نهاية مأساوية للسلوك المنحرف كما كان يحدث في التراجيديا القديمة، يجد أحياناً أن:
الفاسد يصبح بطلاً
الخائن يتحول إلى شخصية جذابة
العلاقات غير المشروعة تُقدَّم كأمر طبيعي
وهنا لا يحدث التطهير النفسي الذي تحدث عنه أرسطو، بل يحدث العكس تماماً:
تدنيس نفسي تدريجي يجعل المشاهد يتعايش مع الانحراف كأنه جزء طبيعي من الحياة.
هل ما زال يمكن إنقاذ الدراما؟
رغم الصورة القاتمة، فإن الدراما ليست فناً ميتاً. فالتاريخ أثبت أن الفن يستطيع أن يستعيد رسالته متى توفرت ثلاثة شروط أساسية:
عودة معيار الموهبة والكفاءة بدلاً من الوساطة.
رقابة فنية حقيقية تهتم بالقيمة الثقافية للعمل.
وعي مجتمعي يرفض الانحدار الأخلاقي في الفن.
فالدراما ليست مجرد صناعة للترفيه، بل هي قوة ثقافية تشكل وعي المجتمع.
وإذا كان الفيلسوف أرسطو قد رأى في الدراما وسيلة لتطهير النفس، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو أن نعيد للفن هذه الرسالة، قبل أن يتحول نهائياً من فنٍ يطهر الإنسان… إلى فنٍ يفسده. بقلم..المؤلف والسيناريست. وليد عبد النبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق