الاثنين، 9 مارس 2026

بداية أخرى للحلم


في تمام الساعة الثانية والنصف ظهرًا، أقلعت الطائرة مِن مطار القاهرة الدولي، حاملةً على متنها "أنعام" و"آمال" و"سحر" و"محمود...
كان في عيونهم بريقٌ مختلف؛ مزيج مِن الخوف والرجاء، مِن الفقد والرجوع، الوطن الذي تركوه خلفهم، والقدر الذي ينتظرهم أمامهم.

كانت "سحر" تلتصق بزجاج النافذة، تنظر إلى الغيوم التي تتكاثر تحت الطائرة، كأنها تغادر عمرًا كاملًا…
أما "محمود"، فكان يكتب شيئًا في دفتَره، يرسم خريطة صغيرة فيها علم "مصر" وعلم أمريكا، وعلى الحدّ الفاصل بينهما كتب:

" متى نصّل."


وبعد رحلةٍ طويلة، حطّت الطائرة في مطار "نيويورك" الدولي.

وعلى الرصيف الرمادي الممتد بين بوابات الوصول، كان "رفاعي أبو بكر" واقفًا، عيونه تسبق خطواته، وقلبه يرتجف مِن فرط الاشتياق.

وما إن لمح وجه "أنعام" حتى هرول نحوها، وضمّها إلى صدره بقوة، وكأنّه أخيرًا التقط أنفاسه بعد غيابٍ دام أياما وأسابيع.

ثم احتضن "آمال"، "فمحمود"، وأخيرًا "سحر… وقفت أمامه، ملامحها صارت أكثر نضجًا، لكن نظرة عينيها لم تتغير، نفس النظرة التي كانت تستجديه حين كان يسافر ليعمل على المركب.

تنفّس "رفاعي" بعمق، ثم نظر إلى أسرته وقال:
– "أنا لم ينقصني غير "أحمد… لكن الحمد لله، وقت قصير وسيصبح أحمد معانا."

بعد دقائق، جاء العم "عزيز" بسيارته ليقلّهم، ولم يكن أقل شوقًا مِن "رفاعي".

فتح الأبواب وهو يقول:
– "أخيرًا البيت أضاء بالأنوار… تعبنا في الغربة لأجل هذه اللحظة ."

أسبوعان مرا سريعًا، امتلأ البيت بصوت "آمال" وضحك محمود، وصوت "سحر" وهي تتدرّب على مفردات اللغة الإنجليزية من دفترها.
لكن التحديات كانت تطرق الباب دون استئذان.

في صباحٍ بارد، دخل رفاعي إلى غرفة "سحر "وقال:
– "انهضي يا "سحر… سنذهب إلى المدرسة، لابد أن نبدأ خطواتك الجديدة."

ارتدت ملابسها بسرعة، ورائحة التوتر تسبقها.
وصلوا إلى مدرسة قريبة من المنزل، لا تبتعد سوى بضع شوارع، وهناك استقبلهم موظف إداري بابتسامة رسمية.

وبعد تعبئة الأوراق، أتى أحد المدرسين، يحمل صحيفة مطوية، ومدّها نحو "سحر" قائلًا بإنجليزية بطيئة:
– "Can you read this paragraph, please?"

نظرت "سحر" إلى الورقة… كانت يداها ترتجف، لكن صوتها لم يرتعش.
قرأت القطعة ببطء، بكلمات مكسورة في البداية، ثم تماسك صوتها… ومع آخر سطر، كانت تقرأ بثقة.

نظر إليها المدرس ثم قال:
– "She’s ready. Grade eleven."
ابتسم "رفاعي"، وهمس في أذنها:
– "كما قلت لكِ… تستطيعي أن تفعلي ."

وفي اليوم التالي، اصطحب "رفاعي" "محمود" إلى مدرسة أخرى، أصغر حجمًا، أكثر تخصصًا في استقبال الطلاب الوافدين.
تقبّله المدير بلطف، وبدأ "محمود" مشواره الجديد، بدفتر جديد، وأحلام تُكتب بلغتين.


"أنعام"، من جانبها، تركت المصنع الذي كانت تعمل فيه بسبب طول المسافات وقسوة الظروف، ووجدت عملًا في فندق صغير بإحدى الضواحي.
وكانت "آمال" ترافقها، تساعدها في الترتيب والخدمة وتعلّمت بسرعة كيف تُجيد العمل دون أن تتذمّر.

أما "سحر"، فكانت تعود من مدرستها، تضع حقيبتها، وتتناول لقيمات خفيفة، ثم ترتدي زيًّا بسيطًا وتذهب مع أمها وأختها إلى الفندق.

قالت لها "أنعام" ذات يوم، وهما ينظفان إحدى القاعات:
– "الدنيا هنا صعبة يا بنتي، بس اللي بيحلم ويعمل بجد… يوصل."
ردّت "سحر":
– "أنا لم أخاف يا ماما، أنا أعمل واجتهد واذاكر… من أجل العيش وحياة  أفضل."

كانت الغربة لا تزال ثقيلة، لكن ما خفّفها هو أنهم كانوا معًا، يعملون ويدرسون ويحلمون… ويكتبون فصلاً جديدًا في كتاب الرحلة الطويلة.                                     بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot