في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، برز تصريح لافت من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أثار الكثير من التساؤلات. فقد دعا الرعايا الأمريكيين في نحو أربع عشرة دولة ومنطقة في الشرق الأوسط إلى مغادرتها، وهو طلب غير معتاد في توقيته واتساع نطاقه الجغرافي.
المثير في الأمر أن الدعوة لم تقتصر على الدول القريبة من بؤرة التوتر المباشر، بل امتدت بحسب ما تداولته تقارير ومتابعات إلى دول أبعد نسبيًا عن مسرح المواجهة، من بينها مصر. وهذا ما جعل كثيرين يتساءلون: ما الذي يدفع إلى تحذير بهذا الاتساع؟
التصريح جاء أيضًا بعد حديث متكرر من ترامب عن الجنود الأمريكيين الذين قُتلوا خلال المواجهات الأخيرة. فقد أعلنت الولايات المتحدة أن عدد القتلى الأمريكيين بلغ ستة جنود، بينما تذهب الرواية الإيرانية إلى أرقام أكبر بكثير، تتحدث عن مئات القتلى والجرحى منذ بداية التصعيد. وبين الروايتين تبقى الحقيقة الكاملة غير واضحة، لكن المؤكد أن التوتر يتجه إلى مستويات أعلى.
الأكثر لفتًا للانتباه أن ترامب تحدث بعد ذلك عن الانتقام للجنود الذين قُتلوا، وهو تعبير يحمل دلالة سياسية وعسكرية قوية. وفي العادة، عندما تترافق مثل هذه التصريحات مع دعوات لإجلاء الرعايا من مناطق واسعة، فإن ذلك يفتح الباب أمام احتمال أن تكون هناك عملية عسكرية كبيرة قيد الإعداد.
بعض التحليلات المتداولة ذهبت أبعد من ذلك، وطرحت احتمالًا شديد الخطورة:
هل يمكن أن يكون الحديث عن استخدام سلاح ذي قدرة تدميرية هائلة ضد إيران؟
هذا السيناريو يظل في إطار التكهنات، لكنه يعكس حجم القلق من التصعيد. فلو حدث استخدام لسلاح دمار شامل وهو احتمال بعيد لكنه مطروح في النقاشات فلن تكون آثاره محصورة في الدولة المستهدفة فقط، بل قد تمتد إلى دول المنطقة بأكملها بسبب التداعيات الإنسانية والبيئية والسياسية.
ومن المؤشرات التي زادت من حالة القلق ما تردد عن إجلاء بعض الدبلوماسيين وعائلاتهم من بعض دول المنطقة، وهو إجراء تلجأ إليه الدول أحيانًا عندما تتوقع تصاعدًا كبيرًا في المخاطر.
لكن السؤال الأهم يظل مطروحًا:
إذا وصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد، هل يستطيع المجتمع الدولي فعلًا إيقافه؟
التاريخ يذكّرنا بأن القوى الكبرى، عندما تدخل في صراع مباشر أو تشعر بأن مصالحها الاستراتيجية مهددة، قد تتخذ قرارات شديدة القسوة. وتجارب القرن العشرين ما زالت حاضرة في الذاكرة، حين استخدمت الولايات المتحدة السلاح النووي في هيروشيما وناجازاكي، في واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ الحديث.
ومع ذلك، فإن العالم اليوم مختلف إلى حد كبير. فالتوازنات الدولية، والردع المتبادل، والخوف من العواقب العالمية لأي استخدام لسلاح نووي، كلها عوامل تجعل مثل هذا القرار محفوفًا بمخاطر قد تتجاوز قدرة أي دولة على السيطرة عليها.
لذلك يبقى الأمل دائمًا في أن تظل هذه السيناريوهات مجرد احتمالات نظرية لا تتحول إلى واقع. فالتصعيد العسكري في منطقة شديدة الحساسية مثل الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون نتائجه محصورة داخل حدود دولة واحدة، بل قد يمتد أثره إلى العالم بأسره.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا قد يحدث؟
بل أيضًا: هل يمتلك العالم ما يكفي من الحكمة لتجنب الأسوأ قبل أن يقع؟ بقلم الدكتورة. نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق