الخميس، 5 مارس 2026

رجلٌ لا يُهزم


مرّت أيامٌ كأنها دهور، كل دقيقة فيها كانت امتحانًا جديدًا للقلوب والعزائم.

وحين جاء صباح الخروج مِن المستشفى، بدا وجه محمد شاحبًا لكنه ساكن، لا يشبه ذلك الصبي الذي دخل الغرفة على سريرٍ دامٍ، بل شابًا وُلِدَ مِن جديد… وإنه بنصف جسد، لكنه بقلبٍ مضاعف النبض، مضاعف الإرادة، قوي الإيمان والثقة بالله تعالى .

أكمل الأطباء الإجراءات، وقام أحدهم بإعطاء "أنعام" كُتيّبًا فيه تعليمات العناية بالحالة:
— "اهتمي بالأدوية يا حاجة… وأسرعي ببدأ جلسات العلاج الطبيعي فورًا. لابد مِن تقوية عضلاته حتى يستطيع أن يعتمد على نفسه عند جلوسه على الكرسي."

كان "أحمد" واقفًا جوار أمه كظلٍّ لها، يتلقى معها الكلمات، ويتأمل في عينيا أخيه نظرة جديدة لم يرها مِن قبل… نظرة رجلٍ كافح ليبقى على قيد الحلم .

بعد العودة للبيت، تغيّرت أشياء كثيرة…
تحوّل الصمت في الغرفة إلى حديثٍ متجدد بين "محمد" وكرسيه المتحرك.
لم يكن الكرسي رمزًا للعجز كما ظنه في البداية، بل صار امتدادًا لإصراره على البقاء واقفًا – ولو جالسًا.
جلسات العلاج الطبيعي أصبحت جزءًا مِن يومه، وإبتسامة الأم "آنعام" كانت المكافأة الكبرى بعد كل حركة جديدة يتقنها، وحينما كان يجلس "محمد" بين أسرته فارحين بوجوده بينهم دق جرس التليفون لتجري "آنعام" مسرعه إلى الهاتف، وكان المتصل "رفاعي" زوجها . 

السلام عليكم يا "آنعام" طمئنيني على "محمد" ومدى إستجابته للعلاج الطبيعي ، فقالت له اطمئن "محمد" راجل ومؤمن، فطلب منها أن تعطي السماعة "لمحمد" ليطمئن عليه ويسمع صوته .... فقال له طمئني عليك يا إبني.... فقال "محمد" الحمد الله بخير يا أبي قدر الله وماشاء فعل.... وعندما سمع محمد بكاء أبيه...

قال له "محمد" :
لا تبكي يا أبي أنا بخير ، اوصاه والده على أن يذكر الله دائماً ، و يهتم بطعامه جيدااا ، وقال له أنت راجل يا "محمد" وثقتي بك كبيرة لتخطي هذه المحنة ،وبعد إنتهاء المكالمة .

البيت كله تغيّر…
"سحر" و"آمال" و"محمود" كلهم صاروا يلتفون حول "محمد" فارحين بعودته إلى البيت سالماً، و ينظرون له لا بعين الشفقة، بل بعين الإعتزاز، كأنهم جميعًا تعلموا منه درسًا في الحياة دون أن يُلقي عليهم محاضرة.

ومع مرور الشهور، استعاد "محمد" توازنه النفسي… صار يخرج إلى شرفة البيت، يراقب المارة، يبتسم للجيران، ويضحك مع "محمود" مِن قلبه، حتى أن ملامحه استعادت جزءًا مِن بريقها القديم.

وفي أحد الأيام…
دخلت "أنعام" غرفته لتجد "محمد" يكتب شيئًا على ورقة صغيرة.

رفع عينيه نحوها وقال بثبات:
— "أريد أن أنزل للعمل يا أمي."

تجمّدت في مكانها، كأنها لم تسمع جيدًا.

— "ماذا تقول ....؟! 
أي عمل يا "محمد....؟
أنت مازلت تكمل علاجك...!"
— "أعرف… لكن لا أستطيع أن أظل هكذا . 

أنا تعلمت منذ الصغر وتعودت على العمل ، لا أتحمّل،أريد أن أكون مسؤول… عن نفسي لا أنتظر شفقة مِن أحد."

صمت قليلًا، ثم تابع بنبرة أكثر حزمًا:
— "أريد أن أعيش حياتي… ولن أجلس عاجزاً في البيت، أنا فقدت قدمي و ليست روحي، ومازال قلبي لديه آحلام."

لم تجد "أنعام" ما تقوله، سقطت دمعة دافئة مِن عينيها، لكنها مسحتها بسرعة كي لا يراها، ثم تقدّمت نحوه وربتت على كتفه.

قالت بصوتٍ متهدّج لكنه واثق:
— "اشتغل يا "محمد... وأرفع رأسك. أنا معاك… وقلبي سندك."

كانت تلك الكلمات البسيطة كأنها تصاريحُ جديدةٌ للحياة…
لم تكن الأوراق التي خرج بها مِن المستشفى وحدها هي التي حرّرته، بل كانت هذه اللحظة:

لحظة الإعتراف برجولته رغم الجراح، واحتضان أمه لقراره دون خوف.

منذ تلك الليلة، بدأ "محمد" يخطط…
لإستعادة ذاته، لمستقبل لا يعرف الشفقة، بل يعرف التصميم.

كان عائدًا إلى الحياة، لا كالعابر فيها، بل كمن نجا… وقرر أن يُضيء الطريق لغيره.                              بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot