الخميس، 5 مارس 2026

وقت الفراق



لم تكن الأيام التالية لقرار "أنعام" بالسفر عادية، بل كانت كل لحظة فيها تحمل نكهة مختلفة، بين تجهيز الحقائب وترتيب الأوراق، وطيّ الذكريات في كل ركنٍ مِن أركان البيت الذي حمل أسرار عمر كامل.

وفي مساء يوم السفر، إجتمع الجميع في غرفة الجلوس، كأنهم يتمسكون ببعضهم قبل أن تفرقهم المسافات.

جلست "أنعام" وسط أولادها، وعلى يمينها الجدة "ذكية أم السيد"، التي كانت تضع طرف الطرحة على خدها وتمسح دمعة حائرة، فيما تحاول أن تتماسك.

قالت "أنعام" بنبرة أمّ تُخفي ما تستطيع مِن ألم:
— "أنا أسافر لوالدكم، لكن قلبي هنا... معاكم . 

حافظوا على بعض، خُذوا بالكم مِن إخواتكم، ومن جدتكم."

أقترب "محمد"، بكرسيه المتحرك عند قدميها، وهو يمسك بيدها:
— "أنتِ علمتينا الصبر والرجولة، ولن نتغير، سنظل مثل ما تعلمنا وكما تحبي يا أمي."

"محمود" قال وهو يحاول أن يخفي تأثره بإبتسامة صغيرة:

— "أنا سوف أعتني بأخوتي "سحر" و"آمال"، و"أحمد" أيضاً، لكن لا تنسي أن ترسلي ألعاب أمريكاني مِن هناك."

ضحكت "آمال" رغم دموعها:
— "سنفتقدك كثيراً يا أمي، مٓن الذي يوقظني مِن النوم كل يوم.....؟"

ردت "آنعام":

—أنتِ ابنتي ورفيقتي المفضلة... و سوف نتكلم مع بعض كل يوم يا "آمال."

أما "سحر"، فكانت جالسة بصمت، تراقب أمها بعينين دامعتين، تمسك بكفها ولا تقول شيئًا. 
فهمت أنعام صمتها، وطبعت قبلة على جبينها قائلة:

— "أنتِ عمري يا "سحر"، إياك تنسي إنك نور البيت، ودائماً أجعلي قلبك قوي بالإيمان."

ثم التفتت لوالدتها الجدة "ذكية"، وأخذت يدها تقبلها قائلة:
— "يا أمي... الأولاد أمانة في رقبتك، وأنا واثقة أنك أهل للثقة، وأعلم جيداً أنهم عندك أغلى مني لأن الأحفاد أعز مِن الأبناء خذي بالك مِن نفسك، لا تنسي دواء الضغط في موعده، وارتاحي وقت التعب."

هزّت "ذكية" رأسها ببطء، وقالت بنبرة حزينة:
— "إذهبي يا ابنتي، ربنا ييسر لك طريقك. قلبي معكِ، و والأولاد فـ عيني وقلبي."

رنّ الهاتف فجأة، قطع لحظة الهدوء. 

التقطه "أحمد" وكان على الطرف الآخر صوت "رفاعي"، قلقًا ومحاولًا أن يخفي توتره، وقال:

لأبيه أنت بخير يا أبي ....؟

فرد "رفاعي" نعم يا "أحمد" طمئني عليكم ، وعلى "محمد" ،  أعتني بأخوتك وخصوصاً "محمد"، وكن دائما بجانبه، ولا تزعل جدتك .

قال "أحمد" حاضر يا أبي لا تقلق بشأننا نحن أسرة مترابطة كما علمتنا أمي يا أبي.

فأخذت منه "أنعام" سماعة الهاتف ، لتتحدث إلى زوجها .... "رفاعي" لا تقلق بشأن أولادنا ، فهم في أمان مع أمي ، فرد "رفاعي" عليها لا أقلق يا "أنعام" فأنا آعلم أن أعز" الولد ولد الولد  ، أخبريني يا "آنعام .....
— متى موعد  الطائرة.....؟ 
أنعام موعد الطائرة الخامسة فجراً يا "رفاعي...؟ 
طمئني عليك أنت بخير......؟"
فرد "رفاعي" الحمد الله بخير ، المهم أنتم يا "أنعام" .

ردت "أنعام" بإبتسامة مطمئنة:
— "كلنا تمام يا "رفاعي"، أمي هنا معانا لا تقلق على الأولاد ، سوف اتحرك للسفر إلى مطار القاهرة الدولي بعد قليل ، واطمِّئن نحن أسرة واحدة."

أخذت الجدة الهاتف وردّت على "رفاعي" بصوت منخفض:

قال "رفاعي" كيف أخبارك يا أمي ...؟

— أجابت الجدة"أنا بخير، والأولاد بجانبي، لا تقلق لكن قلبي يؤلمني على فراق ابنتي "أنعام" ، وأتمنى مِن الله تيسير أموركم ولم شملكم عن قريب يا ولدي... 

ــ رد "رفاعي"  إن شاء الله نرتب كل شيء، وتجمعنا الأيام يا أمي بفضل دعواتك لنا.

ــ فأجابت الجدة"لا تقلق يا ولدي .
ــ فرد رفاعي أنا مطمئن وأنتِ معانا يا أمي .

ــ أعطيني "آنعام" ، واوصيكي بأولادي خيراً ، فهم أمانة معكِ ، وكم أعلم حبهم لكي ، فأنتي تعامليهم أنهم اولادك ، وهم يحبونك كثيرا ، لذلك أنا مطمئن عليهم معك .

ــ فقالت الجده له أنت ولدي يا "رفاعي" الذي لم انجبه.

ــ فأخذت "أنعام" السماعة وقالت "لرفاعي" هل تحتاج مني شيء.

قال "رفاعي":
لا يا "أنعام .....
— "أنا منتظرك على السرعة،فكم أشتقت إلى رائحة الخبز المصري مِن يد أمي و الخضار المصري مِن يدك ، والأيام القادمة سوف نبدأ صفحة جديدة، نتجمع مع بعض جميعاً ."

أنهت المكالمة، ثم نظرت للمكان نظرة طويلة، كأنها تحاول أن تودّع الجدران والنوافذ، حتى ضوء المطبخ وموقد الشاي، كأنها تودّع وطنًا صغيرًا داخل هذا البيت.

وحان وقت الرحيل... في منتصف الليل .
اتجهت "أنعام" نحو الباب، كل خطوة كأنها تُثقل قلبها، وكل التفاتة تحمل وجع البُعد وأمل اللقاء.

كانت العيون تلاحقها، وقلوبهم تتمنى لها السلامة.
ولوّحت بيدها وهي تبتسم قائلة:
— "أنا مسافرة لكن قلبي هنا... حافظوا عليه."
... لكن بقيت المحبة مفتوحة على مصراعيها بين قلوب لا تعرف الإنفصال الحقيقي أبدًا..                بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot