على مدار الأسابيع الماضية، تصاعد الضغط الأمريكي على إيران بشكل غير مسبوق، مما دفع المنطقة إلى حافة الهاوية. ما نشهده اليوم ليس مجرد حلقة جديدة في صراع ممتد، بل هو لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط برمته. لفهم ما يحدث، علينا أن ننظر إلى ما وراء الأحداث الساخنة، ونحلل المخطط الأساسي لهذه المواجهة، وأسبابها العميقة، وكيف يمكن للمنطقة تجنب كارثة شاملة.
لماذا الآن؟ لحظة الضعف والفرصة
الضغط الحالي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تقاطع استراتيجي بين رؤية أمريكية - إسرائيلية ترى في اللحظة الراهنة "فرصة لا يمكن إهدارها" . فمنذ حرب الـ 12 يوماً في صيف عام 2025، ترى واشنطن وتل أبيب أن إيران أصبحت في أضعف حالاتها على عدة جبهات:
· الجبهة الداخلية: تعاني إيران من أزمة اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات المشددة، بالإضافة إلى تداعيات الاحتجاجات الداخلية العنيفة التي شهدتها البلاد في يناير الماضي، والتي يراها المحللون نتيجة لتفاقم الأوضع المعيشية وتغلغل أجهزة استخبارات غربية .
· الجبهة العسكرية: تعرضت شبكة الدفاع الجوي الإيرانية لضربة قوية خلال الحرب الصيفية الماضية، كما أن قدرتها على إعادة تسليح حلفائها (حزب الله وحماس) تراجعت بشكل كبير بفعل الحملات الإسرائيلية المستمرة .
· "محور المقاومة": ترى إسرائيل أن شبكة الوكلاء الإقليميين لإيران، التي شكلت لسنوات عمقها الاستراتيجي، قد تم تقويضها بشكل كبير، مما يجعل طهران مكشوفة أمام ضربة مباشرة .
من هنا، يقرأ القرار في واشنطن أن اللحظة مواتية لفرض معادلة جديدة، سواء عبر اتفاق يفرض قيوداً مشددة، أو عبر القوة لتحقيق "تغيير جذري" في السلوك أو حتى في النظام .
المخطط الأساسي: ماذا تريد أمريكا حقاً؟
الخطاب الرسمي الأمريكي يتحدث عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي. الرئيس ترامب يقول إنه يريد صفقة، ويؤكد أنه لا يسعى لتغيير النظام . لكن الوقائع على الأرض وتحليل التصريحات المتضاربة ترسم صورة أكثر تعقيداً.
هناك حالة من الانقسام الواضح في الاستراتيجية الأمريكية، وهو ما وصفه محللون بأنه "مقامرة بدون خطة واضحة" . فمن ناحية، هناك مسار للدبلوماسية عبر محادثات غير مباشرة في عُمان وجنيف. ومن ناحية أخرى، هناك حشد عسكري هو الأكبر منذ غزو العراق عام 2003 .
الهدف الحقيقي يبدو متدرجاً:
1. الخيار الأول: صفقة شاملة (الجزرة): تريد أمريكا اتفاقاً نووياً جديداً أكثر تشدداً من الاتفاق السابق، يشمل تجميد كامل لتخصيب اليورانيوم، وقف تطوير الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم الوكلاء الإقليميين. في المقابل، تعد برفع العقوبات ودمج إيران في الاقتصاد العالمي . لكن بالنسبة لطهران، هذا مرفوض لأنه يعني "الاستسلام" وإنهاء دورها الإقليمي .
2. الخيار الثاني: الضغط العسكري المحدود (العصا): يتمثل في تنفيذ ضربات جوية محدودة ضد منشآت نووية أو عسكرية، بهدف إجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر في المفاوضات. هذا ما يسميه البعض "المساومة القسرية" .
3. الخيار الثالث: تغيير النظام (الهدف الخفي): يصر محللون كبار على أن المفاوضات كانت مجرد "غطاء"، وأن الهدف النهائي للولايات المتحدة وإسرائيل هو تغيير النظام في طهران . تصريحات ترامب للإيرانيين بأن "ساعة حريتكم قد حانت" تعزز هذا الاعتقاد . تيار داخل الإدارة الأمريكية، بدفع قوي من إسرائيل، يرى أن الاستقرار في المنطقة لن يتحقق إلا برحيل النظام الحالي في إيران .
إسرائيل: المحرك الأساسي
لا يمكن فهم التصعيد الحالي دون إلقاء الضوء على الدور الإسرائيلي. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعتبر إيران تهديداً وجودياً لإسرائيل لعقود . هو يرى في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لتوجيه ضربة قاضية للقدرات العسكرية الإيرانية. التحليلات تشير إلى أن إسرائيل تعمل على دفع الإدارة الأمريكية نحو مواجهة شاملة، وليس فقط ضربات محدودة، لأنها تريد "تحييد القدرات الحربية الإيرانية بشكل كامل" .
بعض المحللين الغربيين يذهبون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن هناك "أجندة إسرائيلية خبيثة" لجر الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، تستغل فيها الدعم الأمريكي اللامحدود لتحقيق أهدافها الإقليمية، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الأمريكية طويلة المدى . إنها لحظة فريدة بالنسبة لإسرائيل: لديها إدارة أمريكية داعمة في البيت الأبيض، وجيش إيراني منكك، وبيئة إقليمية منقسمة.
أين تقف إيران؟ معادلة الردع والبقاء
القيادة في طهران تدرك تماماً أنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة في تسلح تقليدي. استراتيجيتها قائمة على الصمود ورفع كلفة الحرب على الخصوم . إيران تراهن على عدة أوراق:
· الردع الصاروخي: لديها ترسانة ضخمة من الصواريخ والمسيّرات التي يمكن أن تضرب القواعد الأمريكية في الخليج، والتي هي أقرب بكثير من إسرائيل .
· تعطيل مضيق هرمز: التلويح الدائم بإغلاق المضيق الذي يمر عبره حوالي ثلث النفط العالمي بحراً. أي اضطراب هنا يعني كارثة للاقتصاد العالمي .
· العمق الاستراتيجي: رغم الضربات التي تلقاها حلفاؤها، لا تزال إيران قادرة على إشعال جبهات متعددة عبر وكلائها في اليمن والعراق ولبنان .
· المحور الشرقي: تعزيز العلاقات مع روسيا والصين. التعاون العسكري مع موسكو يتوسع، والمناورات البحرية المشتركة في الخليج ترسل رسالة واضحة لواشنطن بأن طهران ليست وحيدة .
إذن، هي ليست دولة منهزمة، ولكنها تحاول تفادي الحرب لأنها تعلم أن الخسائر ستكون فادحة. معادلة إيران هي: "لا للحرب، ولكن إذا فرضت علينا، سنرد بطريقة تجعل العدو يندم".
لماذا يجب تجنب الحرب؟ شبح المستنقع الجديد
الذين يدفعون نحو الحرب يتجاهلون دروس الماضي القريب. التاريخ الأمريكي في الشرق الأوسط، من العراق إلى ليبيا، مليء بالتدخلات التي بدت "سهلة" ثم تحولت إلى مستنقعات حقيقية . ضرب إيران لن يكون عملية جراحية نظيفة كما يتصور البعض للأسباب التالية:
· الانتشار الأمريكي المكشوف: آلاف الجنود الأمريكيين منتشرين في قواعد بقرب إيران (قطر، البحرين، الكويت، الإمارات). هذه القواعد أصبحت الآن في مرمى نيران الصواريخ الإيرانية واليمنية .
· انهيار الدفاعات الجوية: الذخائر الدفاعية الأمريكية (مثل صواريخ THAAD وSM-3) ليست لانهائية. حرب طويلة مع إيران قد تستنفد مخزون هذه الذخائر الحيوية، مما يعرض القوات الأمريكية وحلفاءها للخطر .
· تداعيات اقتصادية عالمية: أي اضطراب في مضيق هرمز يعني ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط، وضرباً للاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلاً من التضخم .
· غياب بديل: إذا سقط النظام، من سيحكم؟ لا توجد حكومة بديلة منظمة في المنفى. الفوضى والفراغ الأمني هما السيناريو الأكثر ترجيحاً، مما قد يخلق تهديداً إرهابياً جديداً أخطر من أي شيء قبله .
كيف نتفادي هذه الكارثة؟ الطريق إلى الحكمة
الخروج من هذه الأزمة يتطلب تحركاً على أكثر من مستوى، ليس فقط من أطراف الصراع، بل من المجتمع الدولي بأسره.
أولاً: تفعيل الدبلوماسية بجدية
الرهان على الخيار العسكري هو رهان خاسر. يجب إعطاء فرصة حقيقية للمسار الدبلوماسي. الحلول الوسطية موجودة، مثل العودة إلى إطار الاتفاق النووي مع بعض التعديلات، أو قبول مبدأ "التخصيب المحدود" بدلاً من "التخصيب صفر" الذي تطلبه أمريكا . الدول الوسيطة مثل عُمان وقطر وسويسرا لديها دور محوري في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. حتى في خضم التصعيد، يجب أن تبقى النافذة الدبلوماسية مفتوحة ولو جزئياً .
ثانياً: دور القوى الإقليمية والدولية
الدول العربية في الخليج، وعلى رأسها السعودية، هي الأكثر تضرراً من أي حرب مدمرة. عليها تكثيف الضغط على واشنطن لتوضيح أن الحرب لن تجلب الأمن لأحد. كما أن علاقاتها المتطورة مع إيران (بعد الاتفاق السعودي - الإيراني) يمكن أن تستخدم كورقة ضغط لتهدئة الأجواء. كذلك، على الصين وروسيا استخدام ثقلهما لدى الطرفين لخفض التصعيد، وعدم ترك الساحة فقط للصراع العسكري .
ثالثاً: فهم التحولات الداخلية في إيران
الغرب يراهن على أن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى انتفاضة شعبية تطيح بالحكومة . لكن القمع الشديد للمحتجين في يناير أظهر أن النظام لا يزال قادراً على البقاء. بدلاً من تحريض الشعب الإيراني على الانتفاض، وهو ما يعرضه للخطر، يجب التركيز على تحسين الظروف المعيشية للإيرانيين عبر رفع العقوبات مقابل تنازلات حقيقية. تحسين حياة المواطن العادي هو أقصر طريق لزعزعة خطاب التطرف من الجانبين.
رابعاً: استعادة التوازن في الإعلام
لا يمكن إنكار الدور التحريضي لبعض وسائل الإعلام في تضخيم خطر الحرب وتقديم الخيار العسكري وكأنه الحل الوحيد . على النخب والمفكرين وصناع القرار الاستماع إلى الأصوات العاقلة التي تحذر من العواقب الوخيمة، وألا ينجرفوا وراء الخطاب المتشدد الذي يدفع نحو الهاوية.
المقصود من هذا
ما نواجهه اليوم هو لحظة "الفرصة الأخيرة" إما للحكمة أو للانهيار. المخطط الأساسي للضغط الأمريكي هو محاولة لفرض واقع جديد في المنطقة عبر استغلال ضعف إيران. لكن هذه المغامرة قد تتحول إلى كابوس للجميع.
الطريق إلى تفادي الحرب لا يمر عبر الضعف، بل عبر قوة الدبلوماسية والحكمة. هو طريق يدرك فيه الجميع أن لا أحد ينتصر في حرب شاملة في الشرق الأوسط. إما أن يجلس الجميع على طاولة الحلول الواقعية، أو نستيقظ ذات صباح على صواريخ تعبر سماء المنطقة، فتشتعل الأرض تحت أقدام الجميع، ولا يبقى أحد ليروي القصة
بقلم ورؤيه دكتور شيرين فؤاد
استشاري تدريب دولي معتمد ولايف كوتش معتمد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق