الأحد، 1 مارس 2026

صوتٌ من بعيد


جلست الأسرة على مائدة الإفطار، وقد إجتمعوا على الخبز الساخن ورائحة الفول والطماطم و البطاطس المقلية. 

كان صباحًا هادئًا على غير عادة الأيام السابقة، فيه سكينة تُشبه لحظات نادرة في حياة مزدحمة بالحكايات والتعب.

أمسك "محمد" برغيف خبز وقال:
ــ "سوف أذهب مع "أحمد" إلى العمل اليوم، فأنا لم أتعود على الجلوس بداخل البيت يا أمي."

رفعت "أنعام" رأسها وقالت، وهي تضع له قطعة جبن على طرف طبقه:
ــ "يا "محمد"، خذ قسط مِن الراحة اليوم. ضع جسدك يأخذ أنفاسه... العمل لا يرحل."

ضحك وقال:
ــ "الراحة عندي بالعمل الجلوس بالبيت يشتت ذهني كثيراً وأنا تعودتُ على العمل والإستيقاظ مبكراً يصعب علي الإستمرار دون حركة حتى إنتهاء فترة الإجازة."

أبتسم "أحمد" وهو ينهض ويحمل شنطته:

ــ "أتركيه وشأنه يا أمي...إن ذهبت وتركته سيظل يتصل بي  في العمل طول اليوم حتى أعود ."

ضحكوا جميعًا، ثم ودّعهم "أحمد" وخرج للعمل .

ثم خرجت "سحر" و"محمود" إلى المدرسة، تودعهم "أنعام" مِن خلف الباب. 
ساد البيت هدوءٌ مؤقت، كأن الجدران تنصت لتنهيدة أمٍّ إشتاقت لإبنها.

قامت "آمال" لتنظف المطبخ، ومسحت الطاولة، ثم بدأت تغسل الأطباق، بينما جلست "أنعام" بجوار "محمد" في الصالة، تشرب آخر رشفة مِن الشاي.

قالت "أنعام" وهي تحرك المنديل في يدها:
ــ "ليلة أمس والدك كلّمني...سيقوم بتجهّيز الأوراق... لكنه ممنتظر أن تنتهي مِن فترة الجيش."

رد "محمد" بحماس:
ــ "أفهم مِن ذلك أننا قريباً سوف نرحل جميعاً لأبي بأمريكا...؟!
نعيش جميعاً معه....؟"

قالت وهي تنظر إلى الأرض:
ــ "نعم... لكن كله بإيد ربنا.

هو يحاول، لكن الدنيا هناك ليست سهلة مثل ما نفكر."

سكت لحظة ثم قال:
ــ "وحشني أبي كثيراً يا أمي... كم أشتقتُ إليه وإلى حضنه...  أتمنى أن أتكلم معه دون أن تسبقني دموعي."

أقتربت منه، وضعت يدها على كتفه، وقالت:
ــ "أنا أسمع صوته يراودني دائماً في المنام... وفي اليقظة... وكل ما أدعي، أطلب مِن الله تعالى أن يجمعنا مع بعض في يوم ما."

قاطعتهما "آمال" وهي تدخل بكوب الشاي بيديها ، وضحكت:

ــ "أنا لم أنوي البكاء معكم في هذا  الصباح..! 
اشربوا الشاي، وأتركوا الكلام الحزين لليل."

ضحك "محمد"، وأخذ كوب ماء . وفي أثناء الحديث، رنّ الهاتف الأرضي، وكان صوته يملأ المكان برجّةٍ خفيفة لا تُخطئها القلوب.

حدقت "أنعام" فيه لحظة، ثم شهقت وقالت:
ــ "رفاعي... أنا أحس به....!!! رفاعي..!"

قفز "محمد" مِن مكانه، وكأن شيئًا في صدره دفعه قبل جسده، ورفع السماعة، ليجد الصوت الذي أشتاق إليه طويلاً.

ــ "أبي... أبي!!! 
وحشتني كثيراً يا أبي... منذ وقت طويل لم أسمع صوتك...

فسأله والده وأنا كم أشتقت لك يا ولدي....
طمني يا محمد كيف حالكم.....؟

أجاب "محمد" نحن بخير، كلنا بخير، لا ينقصنا غيرك يا أبي...
فسأله رفاعي عن "أنعام"...؟

أجاب "محمد" أمي بخير، وأخواتي كلنا بخير لا تقلق... أعتني بنفسك يا أبي، و طمّئنّا عليك دائما."

كان صوته يرتجف رغم ثباته الظاهري، ثم أعطى السماعة إلى "أنعام"، التي وقفت قريبة منه، قلبها يخفق:
ــ "أعطني... السماعة يا "محمد."

أمسكت "أنعام" السماعة كأنها تمسك بعمر مضى، وقالت بصوتها الخافت:
ــ "السلام عليكم يا "رفاعي... كيف أخبارك يا حبيبي....؟!
الجو بارد هناك....؟
ألبس لبس ثقيل يا "رفاعي"، ولا تهمل في طعامك... نحن نحتاجك... نحتاجك بكل ما فينا مِن حنين."

لم يكن بكاؤها صوتًا، بل كان صمتًا في عينيها، كأنها تحاول أن تحفظ كل لحظة مِن تلك المكالمة في ذاكرتها.

قالت "آمال" وهي تمد يدها:
ــ "أريد ان أسمع صوت أبي... فقط لحظة واحدة يا أمي."

أخذت "أمال" السماعة، وبمجرد أن سمعت "آمال، صوت أبيها"، لم تتمالك نفسها، وبكت كطفلة ضائعة وجدت الطريق:

ــ "وحشتني يا أبي كثيراً... كم أتمنى أن أراك... و نحكي كتيراً."

كان الصوت مِن بعيد... لكن الدفء كان حاضراً في القلب.


بعد إنتهاء المكالمة، عم الصمت يملأ الغرفة، صمت مِن نوع مختلف... كأن أرواحهم علقت قليلاً على موجات الإتصال، ثم عادت إلى الأرض.

قال "محمد" مبتسمًا رغم العبرة:
ــ "أنا جائع يا أمي... وحشني لذة طعامك ."

فضحكت "أنعام"، ومسحت عينيها بمنديلها:
ــ "هذا هو الكلام الذي يرد الروح...! 

أنهضي يا "أمال"، لعمل محشي وصنية بطاطس بالفراخ بالفرن وملوخية... "محمد" مل مِن العدس بالجيش، يقول أشتاق لطعامي...!"

ضحكت "آمال" وهي ترتدي طرحتها:
ــ "هيا يا أمي، نذهب إلى السوق... اليوم يوم وليمة الطعام."

وهكذا... عادت الحياة تدبّ مِن جديد في البيت، تسير بين شوقٍ وأمل، بين خبزٍ ساخن وصوتٍ غائب... لكنه لا يبتعد أبدًا.              بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot