الأربعاء، 11 مارس 2026

"سحر القلوب... "

مرّت الأيام سريعًا، كأنها تسرق الفرح قبل أن يُحكى. مضى عامٌ على زواج "آمال"، وبدأت حياة جديدة تنبض في بيتها، حياة فيها استقرار وطمأنينة، وفي قلبها زرعة صبر نبتت ثمارها بعد رحلة طويلة من التضحية.

"سحر" الآن طالبة بالفرقة الثانية في الجامعة، بين المحاضرات والكتب والمكتبات، بدأت تتفتح روحها أكثر، تنضج عواطفها بهدوء، وتحمل ملامحها شبابًا ينضج بالحكمة والحياء.
أما "محمود"، فقد عبر إلى الصف الثالث الثانوي، غارقًا بين دفاتر العلم وطموحات لا تنتهي، يركض وراء مستقبله كما كان يركض في طفولته خلف كرات الحيّ.

في ذلك اليوم الخريفي الجميل، كانت "سحر" تقف أمام إحدى قاعات الجامعة، تحمل كتبها وتنتظر بداية المحاضرة، حين شعرت بنظرات ثابتة تستقر على ملامحها. التفتت، فالتقت عيناها بعينين لا تحملان فضولًا، بل إعجابًا صادقًا، وابتسامة خجولة.

تقدّم الشاب نحوها بخطوات واثقة، لا تخلو من الاحترام، وقال بصوت هادئ:

– "السلام عليكم... أنا "محمد غانم..."ممكن أعرف اسمك.....؟"

نظرت إليه "سحر" للحظة، ثم ردّت وقد علت وجنتيها حمرة خفيفة:

– "أنا "سحر... سحر رفاعي."

– "تشرفت يا "سحر..." تدرسين إيه....؟"

– "علم نفس ورياضة."

ابتسم وأومأ بإعجاب:

– "تخصص جميل... أنا أدرس لغة إنجليزية."

ساد لحظة صمت رقيقة، ثم تابع "محمد" وهو يحاول كسر الجمود:

– "منين في مصر....؟"

– "من بورسعيد."

– "وأنا من كفر الدوار."

نظر إليها للحظة طويلة، ثم قال بصوت صادق كأنه ينطق بما في قلبه:

– "أراكي... تبدي جميلة، رقيقة... فيكِ حاجة مش بس حلوة، فيكِ حاجة نقية... انتي ملاك فعلاً."

"سحر" لم ترد، لكنها ابتسمت، وعيونها قالت الكثير.


مع نهاية اليوم الدراسي، عادت "سحر" إلى بيت العائلة. كانت "أنعام" في المطبخ تعد الشاي، و"آمال" تجلس على الأريكة، يدها على بطنها، وعيناها تلمعان بفرح خفي.

فور دخول "سحر"، نظرت إليها "آمال" باهتمام، ولاحظت شيئًا غير معتاد في ملامح أختها الصغيرة.

– "مالك يا "سحر...."؟
في وشك فرحة مش طبيعية..!"

ابتسمت "سحر" وجلست بجوارهما، وقالت وهي تضحك:

– "كان في شاب في الجامعة... اسمه "محمد غانم..." كلّمَني... وكان محترم جدًا."

بادلتها "آمال" النظرة بدهشة ممزوجة بفضول:

– "وقالك إيه....؟ 
شكله إيه....؟"

ردّت "سحر"، وهي تستحضر ملامحه في خيالها:

– "ملامحه مصرية أصيلة... جاد، وفيه شهامة كأنها طالعة من زمن طيب... أعجبني احترامه، وطريقته في الكلام... حسيت إنه مختلف."

ضحكت "أنعام" وهي تقول:

– "ربنا يكتبلك الخير يا بنتي... بس دايمًا خلي قلبك وراء عقلك، والبنت ما تتهزش بالكلام الحلو بس... المهم الأفعال."

قالت "آمال"، وهي تضع يدها على بطنها بحنان:

– "وأنا كمان عندي خبر... أنا حامل...!"

صرخت "سحر" من الفرح واحتضنتها بقوة:

– "ألف مبروك يا "آمال....! يا ربي يجعل أيامك كلها فرح."

ضحكت "أنعام"، وهي تمسح دموع الفرح من عينيها:

– "اللهم لك الحمد... فرحة ورا فرحة... ربنا يديمها نعمة."

في تلك الليلة، اجتمع الحب في البيت على هيئة خبرين...
خبر حملٍ طال انتظاره، وخبر إعجاب نقي يشبه البدايات الجميلة...
وكانت تلك اللحظات كافية لتملأ البيت دفئًا، والأرواح يقينًا بأن الخير ما زال في الطريق.              بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot