بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
عندما ننظر إلى عصر الذكاء الاصطناعي نجد أن معظم النقاشات تدور حول السرعة والقدرة الحاسوبية والمنافسة التكنولوجية وكأن مستقبل العالم سيتحدد فقط من خلال خوارزميات أسرع ونماذج أكبر لكن التحول الحقيقي قد يكون يحدث في مكان آخر تماما داخل بنية التفكير البشري نفسه
فالذكاء الاصطناعي لا يضيف ذكاء إلى العالم بقدر ما يعكس الذكاء الموجود بالفعل داخل الأنظمة البشرية التي تقوم ببنائه وتوجيهه فالآلة لا تقرر ما هو المهم بل تعالج الأسئلة التي تختار المؤسسات والدول والمجتمعات أن تطرحها
ولهذا قد لا يكون الانقسام الحقيقي في السنوات القادمة بين من يمتلك التكنولوجيا ومن لا يمتلكها بل بين من يمتلك القدرة على صياغة الأسئلة الكبرى ومن يبقى أسير التفكير التقني الضيق
فالذكاء الاصطناعي يضخم البنية الفكرية التي تحيط به فإذا كان التفكير الاستراتيجي ضعيفا فإن الذكاء الاصطناعي لن يفعل سوى تسريع القرارات الضعيفة أما إذا كانت الأطر الفكرية والمؤسسية قوية فإنه يتحول إلى مضاعف هائل لقدرة الإنسان
ومن هذا المنطلق لا ينبغي فهم الذكاء الاصطناعي فقط كأداة تقنية بل كمرآة تكشف جودة التفكير البشري وعمق الخيال الاستراتيجي ونضج الأنظمة التي تصنع القرار
فالحضارات التي بنت آثارا عظيمة مثل الأهرامات لم تكن عظمتها في الأدوات التي امتلكتها فقط بل في عمق التفكير الذي كان يقود مجتمعاتها
وبنفس المنطق فإن المستقبل الذي سيشكله الذكاء الاصطناعي لن تحدده الخوارزميات وحدها بل جودة الأنظمة البشرية التي تحدد الأسئلة وترسم الاتجاه وتحدد الغاية من التكنولوجيا
فالتكنولوجيا لا تستبدل التفكير البشري بل تكشفه
وهذا يقودنا إلى سؤال أساسي في عصرنا
على المدى الطويل ما الذي سيحدد المستقبل أكثر قوة التكنولوجيا نفسها أم عمق التفكير البشري الذي يصوغ المشكلات التي نطلب منها حلها
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق