الأربعاء، 11 مارس 2026

"القلوب التي تنضج بالحب والعمل"


مضت الشهور، وازدادت "سحر" نضجًا وجمالًا، ليس فقط في ملامحها، بل في روحها ومسؤوليتها. كانت تدرس بجد، وتحضر محاضراتها، ثم تذهب بعد انتهاء اليوم لتساعد أساتذتها في "نادي الرياضيات" بالجامعة، تؤدي مهامها بكل تفانٍ كي توفر جزءًا من مصاريف دراستها دون أن تُثقل على والدها "رفاعي".

كل يوم، كان "محمد غانم" ينتظرها عند بوابة الكلية، لا يملّ الانتظار، ولا يفقد ابتسامته. يقف كأنه الحارس النبيل، لا يترك مكانه حتى يأتي "أحمد"، أخوها، ليأخذها إلى البيت.
سندٌ حقيقي، ورجل بمعنى الكلمة، هكذا شعرت سحر... وكان قلبها يزداد طمأنينة كلما رأته.

وذات مساء، وبعد أن عادا من الجامعة، جلست "سحر" في غرفتها تتأمل كتبها، لكن عقلها كان معلقًا بكلماته، بطريقة نظرته، وكيف يحترم وجودها ويصون المسافة بينها وبينه، دون أن يغيب عن قلبها.

وفي بيت "محمد غانم"، جلس "محمد" مع والده في ساحة البيت الهادئة، حيث النسيم المسائي يداعب الشجر، وقال وهو ينظر في الأرض:

– "بابا..."

رفع "غانم" عينيه عن الجريدة، وقال:

– "نعم يا "محمد"، خير....؟"

تردد "محمد" لحظة، ثم قال بثبات:

– "أنا معجب بفتاة يا أبي، ونيتي صافية... أريد أن أتقدّم لخطبتها."

وضع "غانم" الجريدة جانبًا، ونظر في عينيه باهتمام:

– "مين الفتاة.....؟
إحكيلي عنها."

– "هي زميلتي بالجامعة، اسمها "سحر رفاعي"، من "بورسعيد..." محترمة، مهذبة، بنت ناس، على خلق ودين... وتعبانة في نفسها وشايلة مسؤولية. وأنا مستعد أطرق الباب من أوسع أبوابه."

ابتسم "غانم" بفخر، وقال:

– "كويس إنك جيتلي برجولة، وعاوز الحلال... وأنا معاك يا ابني، وإن شاء الله نروح لأهلها قريب ونتشرف بيهم."


وفي ذات الأيام، كان "محمد" – ابن رفاعي – قد اقترب من عمر الاستقرار، وجاء في أحد الأيام إلى والده، وجلس أمامه بهدوء وقال:

– "بابا... أنا كمان حابب أتقدم لخطبة بنت، شفت فيها الأدب والخلق والدين... وأنا شايف إنها تنفع شريكة حياة."

"رفاعي" نظر إليه بتأنٍ، ثم قال:

– "ربنا يكتبلك الخير يا ابني... لما تشوف بنت حلال وتصونها، وتخلي نيتك لله، ربنا يباركلك."

ابتسم "محمد" براحة، وبدأ التخطيط لخطبة الفتاة التي سكنته.


وفي بيت "آمال"، كانت المفاجأة الكبرى حين أنجبت "آمال" توأمًا جميلين، بنتًا وولدًا...
سُمّيت الطفلة "مي"، والولد "رامي".
عمّت الفرحة البيت، وتعالت الزغاريد، وتلألأت العيون بدموع الفرح، فقد كانت تلك الولادة ثمرة حب ونضج وصبر طويل.


وبعد أشهر من خطبة "سحر" -  -    - لمحمد غانم -، اكتمل النصيب، وتم الزفاف في ليلة هادئة، طغت فيها مشاعر الامتنان والبساطة.
أقيم الفرح في قاعة صغيرة، بحضور الأهل والأقارب، وكانت "سحر" كأنها زهرة بيضاء، تمشي بجانب "محمد" وكأنهما كُتبا لبعض منذ زمن بعيد.

انتقلا بعد الزفاف إلى بيت منفرد، جمعتهما فيه الحياة الجديدة، كما حدث من قبل مع "آمال" حين تزوجت سعيد، وبقيا بالقرب من بيت الأهل، فلا المسافة بعيدة، ولا المودة انقطعت.

وفي بيت "رفاعي" و"أنعام"، بقي "أحمد" و"سحر" (في خطبتها قبل الزواج) و"محمود".
بيت لا يخلو من الحركة، ولا من الدعاء، بيتٌ ما زال يحمل أصوات الضحك، ورائحة الطعام، وأحاديث الليل بين أم تحلم بفرح أولادها، وأب يدعو لهم بعد كل صلاة.

وكانت الأيام تسير، حاملة معها النضج، والمسؤولية، والحنين إلى الطفولة...
لكنها كانت تسير نحو الخير، لأن القلوب التي صبرت… حان وقت حصادها.                                    بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot