الأحد، 1 مارس 2026

بين نارَيْن:المسؤوليات والتحديات.

-في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة اليوم، أصبحت مسؤوليات رب الأسرة أكثر تعقيدًا وعمقًا مما كانت عليه في الأجيال السابقة. لم تعد المسؤولية الأسرية قابلة للمقارنة مع الماضي، حيث كانت التكاليف المعيشية أقل وأسهل على كلا الزوجين. إن المسؤولية الاقتصادية والتكاليف المعيشية التي تقع على عاتق رب الأسرة تؤثر بشكل كبير على الأسرة، وتلعب دورًا مهمًا في الشؤون الأخلاقية والاجتماعية.

في ظل موجات غلاء الأسعار، وما نشهده هذه الأيام من أزمات مادية تطال الكثيرين، يؤدي ذلك إلى مشكلات داخل البيوت قد تهدد استقرارها لتذرها قاعًا صفصفًا. تعكس هذه الأزمات واقع العديد من الأسر ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، التي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ضيف غير مرغوب فيه كفواتير الطعام، الأدوية، الكهرباء، الوقود، والإنترنت. لم تعد هذه التكاليف مجرد ضيف، بل أصبحت مصدرًا ثقيلًا للشعور بانعدام الأمان والتوتر الذي يلقي بظلاله على كل جانب من جوانب الأسرة. يجد رب الأسرة ذو الدخل غير المستقر صعوبة في تغطية المصاريف الأساسية، مما يؤدي إلى خلافات متكررة تنعكس سلبًا على علاقته بزوجته وتزيد من المشاكل والخلافات اليومية، مولدة صراعات نفسية على المدى الطويل. يؤكد خبراء علم الاجتماع أن انخفاض مستوى دخل الأسرة أو سوء إدارة الدخل يعتبر من أهم المشكلات التي تؤثر على أمن واستقرار الأسرة.

سيدي الكريم! إننا لا نملك القدرة على التحكم في الشأن الاقتصادي العام، وأن العقبات والصعوبات جزء لا يتجزأ من الحياة، إلا أنه يمكننا البحث عن حلول لمواجهة غلاء الأسعار. هل المشكلة مجرد "نقص في المال" أم أنها أعمق من ذلك، وتتمثل في صدام بين القوة الاقتصادية والدور الأسري؟ كيف تدبر الأسر احتياجاتها في ظل موقفها الضعيف الذي لامس الحضيض؟

بطبيعة الحال، تتطلب إدارة ميزانية البيت شراكة حقيقية بين الزوجين، تمامًا كإدارة أي مشروع آخر. أظهرت الدراسات أن الزوجة تتحمل جزءًا كبيرًا من الأزمة الاقتصادية، سواء كانت عاملة أو ربة بيت. غالبًا ما تلجأ إلى البحث عن بدائل وحلول مرنة لتلبية المتطلبات المتزايدة في ظل الدخل المحدود، سعيًا لتحقيق استقرار آمن دون تقتير أو تبذير، لما لذلك من أثر عميق على سعادة الأسرة. تؤكد الدراسات والتجارب أن سياسة "حمل العصا من الوسط" هو الحل الأمثل، ويتجلى ذلك في ترشيد الاستهلاك والتركيز على الأطعمة الأساسية مثل الأرز والمكرونة والبقوليات والخبز. هذا الاعتدال هو ما يُفهم من قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء: 29).

ينبغي مراعاة إمكانات الأسرة واتباع نظام إنفاق سليم، بحيث لا يزيد مقدار المنفق على الدخل، وتوزيع الدخل قدر الإمكان على أبواب الإنفاق. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67).

علاوة على ذلك، من الضروري إشراك الأبناء في تحمل المسؤولية منذ الصغر، استنادًا إلى قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } (التحريم: 6). يجب على الآباء تربية أبنائهم على تجنب الفوضى وعدم الانجراف وراء هوس الشراء لكل ما هو جديد. إن إشراكهم مبكرًا في تحمل المسؤولية يساعد على نجاح أي خطة، ويعلمهم كيف تُؤسس الأسرة، ويفتح لهم بابًا لتحمل المسؤولية على الوجه المحمود، وتحقيق النجاح الشخصي والمهني لاحقًا. في المجتمعات التقليدية، كان الأطفال يشاركون في الأعمال اليسيرة، مما كان بمثابة شركة تأمين لهم. وكما قال أبو العلاء المعري: "وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ".

في الختام، يمكن القول إن وعي الأسرة وتكاتفها هما السلاح الأمضى لمواجهة غلاء الأسعار. يتجلى ذلك من خلال التخطيط المالي الرشيد، والموازنة بين متطلبات الحياة وضرورات الادخار، وإشراك الأبناء في تحمل المسؤولية.
بقلم ✍️ 
الأستاذة :هبة نبيل خليل.

هناك 8 تعليقات:

  1. كل الدعم أ/هبة مقال غاية فى الروعة

    ردحذف
  2. مقال جميل جدا بارك الله فيك

    ردحذف
  3. ربنا يوفقك دايما

    ردحذف
  4. يونس أحمد يونس كامل1 مارس 2026 في 11:18 ص

    مقال في غاية الجمال والعمق، جمع بين واقعية الطرح ورشاقة الأسلوب، بلغة فصحى قريبة من القارئ، فأمتع وأفاد وأقنع. بوركت الجهود.

    ردحذف
  5. إسراء الرفاعي1 مارس 2026 في 11:40 ص

    ماشاء الله دكتورة هبة موفقة دائما .. مقالة بأسلوب جميل 🩷🩵

    ردحذف
  6. بالتوفيق ان شاء الله

    ردحذف
  7. كلام سليم فالمرأة هي محور العائلة وهي اساس الاسرة والمجتمع

    ردحذف

Post Top Ad

Your Ad Spot