بقلم: أحمد المهدي صفوت
في مشهد تكرر كثيراً، وقف الوزراء الجدد اليوم ليؤدوا القسم، يرفعون الأيدي ويعدون بالأفضل، بينما في الخارج، بعيداً عن الرخام والبروتوكولات، يقف المواطن المصري أمام "فاترينة" الحياة القاسية، يحسب ميزانيته بالمليم، ويسأل نفسه السؤال المرّ: "هل سيغير هؤلاء ثمن رغيف الخبز، أو طابور المستشفى، أو زحام الأتوبيس؟".
إن التعديل الوزاري الأخير، رغم ما يحمله من أسماء "تكنوقراط" قادمة من أروقة البنوك والمنظمات، يواجه معضلة أخلاقية قبل أن تكون إدارية؛ وهي الفجوة المتسعة بين "أرقام النمو" التي يتحدث عنها الوزراء، و"واقع الوجع" الذي يعيشه الشعب في كل تفاصيل يومه.
المستشفيات الحكومية تظل "مشكلة المشاكل" التي تؤرق كل بيت؛ فبينما نتحدث عن تغيير الوجوه، يظل السؤال معلقاً فوق أبواب الطوارئ: هل سيوفر الوزير الجديد "سرير عناية مركزة" لمواطن يلف المحافظة ولا يجد مكاناً؟ إن المنظومة الصحية باتت تُشعر الفقير أن حياته "رخيصة"، حيث يواجه المواطن نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية وغلاءً فاحشاً في الخدمة الخاصة، بينما تعاني المستشفيات العامة من نقص المستلزمات البسيطة. فهل يملك الوزير الجديد شجاعة النزول فجراً لمستشفى عام ليرى حجم المأساة بعيداً عن تقارير المكاتب المكيفة؟
أما عن التعليم، فقد تحول إلى عبء يكسر الظهر؛ حيث يكدح المواطن المصري لا ليدخر لمستقبله، بل ليدفع "فاتورة السناتر" والدروس الخصوصية التي أكلت الأخضر واليابس بعدما تحولت المدارس إلى مبانٍ مزدحمة بالأجساد وخاوية من العلم الحقيقي. التغيير الوزاري لن يعني شيئاً للأب المطحون ما لم تنتهِ "تجارب المعامل" التي تُجرى على عقول الطلاب كل عام بقرارات متضاربة، وما لم يجد الطالب تعليماً حقيقياً داخل فصله.
وعلى قضبان السكك الحديدية وفي زحام "الميكروباصات"، يعيش المصريون يومياً قصة كفاح مريرة. فبرغم الحديث عن المشروعات الكبرى، لا يزال العامل والموظف يستهلك نصف عمره ونصف راتبه في مواصلات غير آدمية. الزحام الخانق، وارتفاع أسعار الوقود الذي يتبعه جنون في تعريفة الركوب، جعلت من مجرد "الذهاب للعمل" عبئاً نفسياً ومادياً لا يطاق.
إن النقد الموجه لهذه الحكومة ليس لشخص شخوصها، بل لنهجها؛ فالمواطن يرى أن تغيير الوزير دون تغيير "السياسة المتبعة" هو مجرد عملية تجميلية لمريض يحتاج جراحة عاجلة. كيف سيقنع وزراء المجموعة الاقتصادية ملايين المحبطين بأن غدهم أفضل بينما الديون تنهش في ميزانية أكلهم وشربهم؟ وكيف سيصدق الناس الوعود الإعلامية في ظل فجوة الثقة المتزايدة؟
العبرة في النهاية بـ "النتائج" لا بالأسماء. ونجاح هذه الوزارة لن يقاس بمدى رضا المؤسسات الدولية، بل بمدى انخفاض صرخة الوجع في طوابير المستشفيات، وداخل الفصول المكدسة، وفوق كباري الزحام. المواطن لا يأكل "سيرة ذاتية"، بل يريد عدالة في التوزيع، ورقابة تضرب بيد من حديد على يد المحتكرين، وسياسات تضع "حق الحياة والكرامة" قبل "تقارير البنك الدولي". إذا لم يفعل الوزراء الجدد ذلك، فسيكونون مجرد أرقام جديدة في تاريخ طويل من حكومات الأزمات المستمرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق