عاد البيت إلى الحياة، لكنّ التعب الذي مرّ به "رفاعي" لم يُمحَ بسهولة.
كانت "أنعام" تتحرّك في أرجاء المنزل كعادتها، تحمل الكأس بيدٍ، وتُعدّ الغداء بيدٍ أخرى، وبين اللحظة واللحظة، تلقي نظرةً على "رفاعي" النائم بهدوء على الأريكة، كطفلٍ أنهكه المرض بعد النجاة.
رغم الدفء الذي عاد بعودة الأب، لازالت "أنعام" كما هي… العمود الذي لا يستريح، والجسد الذي أكل منه الزمن وهمّ الأيام.
لكنّ أبناءها، الذين كبروا تحت جناحها وتربّوا على عينيها، بدأوا يرون ما كانت تخفيه عنهم دائمًا.
الإنهاك في حركة كتفيها، والبطء في خطواتها، والانحناءة الجديدة في ظهرها.
في مساءٍ دافئ، جلس "محمد" بجانب أخيه "أحمد"، يبادله النظرات قبل أن يتحدث.
كان القرار قد نضج في قلبيهما قبل أن يُقال.
– "يا أمي... قال "محمد" وهو ينظر إليها بعين الرجل، لا الطفل،
– "ألا يكفي....؟"
توقفت "أنعام" عن تقليب الشاي، ونظرت لهما باستغراب:
– " عما تتحدث يا ولدي....؟
الدنيا لم تتوقف، وأنتم شباب و لديكم الكثير والكثير مِن الإحتياجات..."
أكمل "أحمد" بهدوء:
– "مِن أجل ذلك جئنا للحديث معكِ...أنتِ فعلتِ الذي عليكِ وبما يكفي بل وزيادة... نحن قررنا أن نبدأ عمل في التجارة، نعمل سويًا، ونسند البيت، ونسندك يا أمي."
رمشت "أنعام" مرتين، كما لو أنها لم تفهم بما يتحدثون.
– "يعني... أترك العمل.....؟
" قالتها وكأنها جريمة.
– "أنا...؟
أجلس في البيت.....؟!"
نهض "محمد" وأقترب منها، أمسك يدها التي ما عرفت الراحة يومًا:
– "نعم يا أمي... تجلسين، وترتاحي، وتقومي على خدمة والدي فهو يحتاجك في هذه الفترة، وتعيشي لأول مرة مِن غير تفكير في المصاريف، ولا في المرتب الذي لا ما يكفي، ولا في الفاتورة التي تأتي و يجب سدادها..."
سكت "محمد" قليلًا ثم أردف بصوتٍ خافت:
– "شوفتِ ظهرك وأنتِ تنهضين مِن على السرير......؟
حسيت بتنهيدك وإنتِ واقفة على رجلِك في المطبخ....؟
تعب السنين بدأ يظهر، و نحن مٓن نكون ظهرك في ذلك الوقت."
دخل "رفاعي" الحجرة ببطء، وقد سمع ما قيل وهو خلف الباب.
نظر إلى "أنعام" بعينٍ امتلأت حنانًا وامتنانًا، ثم قال بنبرة مبحوحة:
– "اتركيهم يتحملوا المسؤولية، يا "أنعام... يكفي الذي فعلتيه لنا جميعا ً. أنا... أنا احتاجك بجانبي، ليس لأنني أضعفت، لا... لكن أنتِ تعبتِ كثيراً ولابد مِن أن تستريحي، و عدتُ مِن الموت رأيتك واقفة على قدميك منذ تركت، ما زلتِ تعانين مِن حمل همومنا... لكن يجب علينا أن نفكر بكِ وتستريحي، جاء الوقت لترتاحي."
فسقطت دمعة مِن عينيا "آنعام"، تبعتها إبتسامة صغيرة حزينة عما سمعته مِن زوجها وأولادها.
"سحر"، التي كانت تراقب مِن بعيد، تقدّمت بخطى خفيفة، وقالت:
– "نحن نحتاجك بداخل البيت يا أمي... نريد سماع صوتك في الضحك بداخل البيت، ونحس بدفاك ليس فقط وأنتِ تعملي... لا، وإنتِ معانا داخل البيت..."
صمتت "أنعام"، ثم جلست بهدوء، كأنما القرار سقط مِن السماء فوق كتفيها، لكنه هذه المرة... لم يكن حملًا، بل كان خلاصًا مِن التعب و الجهد.
– "أنا... لم أتعود على الجلوس بالبيت، لكن إن كان هذا ما يسعدكم فليس لدي مانع في الجلوس مِن العمل ."
ضمّها "محمد"، وقبّل رأسها، وهمس:
– "نحن مِن غيرك لم نكن شيئاً..الأن جاء وقتك... لكي تستريحي يا أمي... ."
في تلك الليلة، لم يُقوموا بإضاءة النور داخل المنزل... بل كان دفء الأسرة، للمرة الأولى، كافيًا لإنارة كل شيء. بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق