في زمنٍ أمسى الجفاف العاطفي فيه وباءً صامتًا يفتك بالقلوب قبل الأجساد، إن لم تكن ممن وهبوا نعمة التربيت على الأكتاف الدامية، ودفء الاحتضان للمتعبين، فلا تكن إنسانًا يتقن هواية ركل المشاعر أو صفع القلوب التي تمد يدها بالسلام. فبعضنا كالنخلة لا ترمي إلا تمرًا، وبعضنا كالشوك لا ينتج إلا جروحًا!
تأملوا هذا المشهد النبوي العظيم: "اللقمة يضعها الرجل في فم زوجته صدقة".. إنه سرّ من أسرار المغذّي العاطفي الخفي! فحين يصير الطعام عبادة، وإطعام الطعام قربى، تتحول الموائد إلى محاريب حب. ليس الأمر سدّ جوع البطون فحسب، بل إرواء ظمأ القلوب التي إن تأخر زاد الحنان في وقتها ضاع العمر كله! فالقلوب كالأرض، إن لم تمطرها باكرًا تصحرت، وإن أسقيتها في غير موعدها نبتت أشواكًا!
الفقر الحقيقي ليس في الجيوب التي أضناها الغلاء، بل في القلوب التي أصابها الشحّ العاطفي. كم من أشياء لا تكلف درهمًا ولا دينارًا، لكنها تحيل الحياة -بكل قسوتها- إلى جنّة دانية القطوف! فبعض البيوت كالمقابر، عامرة بالسكان خالية من الحياة، وبعضها كالروضة، قليلة الزينة كثيرة العطر!
هدية بسيطة.. عناق يأتي دون استئذان، كأنه وحيٌ مفاجئ. كلمة تشرق بها الصباحات فتكون "صباح الخير" فيها بمثابة "نحن نحبك" في حقول القلوب المتعطشة. بعض البنات والأبناء يغادرون بيوتهم صباحًا وهم في حقيبة أرواحهم فراغ هائل، يبحثون عن كلمة تحتويهم كما يحتضن البحر شاطئه، أو كالأطفال يتلمسون جدران الغرفة في الظلام!
نحن نواجه اليوم بطالة عاطفية مدمرة! ليست المشكلة فقط في غلاء أسعار الخبز، بل في انخفاض سعر الحب على موائدنا، حتى صارت بيوتنا عامرة بالأجساد، خاوية على عروشها من المشاعر. إننا ندفع أثمانًا باهظة لأطباء القلوب، وغفلنا عن أن جرعة حنان في البيت تطيل العمر قبل أن تطيب العمر!
الناس يجفون من قلة الاهتمام كما يجف الزرع من قلة الماء. فأي حقل أنت؟ وأي ساقي تكون؟ اسقوا زرعكم قبل أن يحنّ لماء الآخرين، فالعاطفة إن لم تسق في وقتها صارت صحراء، وإن سقاها غيركم صارت لغيره حديقة!
اللهم ردّنا إليك ردًا جميلاً، وألبسنا من الأمن رداءً، ومن العزة رداءً، وانصر إخواننا المستضعفين في كل مكان.
بقلم دكتور شيرين فؤاد
استشاري تدريب وتتطوير دولي ولايف كوتش معتمد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق