حين استقرّ بهم الحال مِن جديد في مدينة "بورسعيد"، بدا كلّ شيء كما لو أنه ينفض عن قلب الأسرة الغبار الذي علق به في غربة السنوات بجنوب صعيد مصر حتى الإنتهاء مِن الحرب والعودة للوطن لإعمار مدينة بورسعيد مِن جديد .
كانت عودة الأم "أنعام" تحمل شيئًا مِن الشوق، وكثيرًا مِن الحنين لإعمار بلدها، فقد عادت إلى حيّها القديم في "القليوبية" أحد الأحياء العتيقة في "بورسعيد"، الحيّ الذي ما زالت أبوابه الخشبية تحتفظ بذكرى الخطى، وصدى ضحكات كانت تعلو السلالم الضيقة.
عاد "محمد" و"أحمد"، وقد بلغا مِن العمر ما يسمح لهما بخوض طريقٍ آخر مِن التعليم، فدخلا إلى المرحلة الثانوية الفنية الصناعية، وكانت خطواتهما في شوارع "بورسعيد" صباحًا لا تشبه ما مضى؛ فيها رجولة تنمو، وأحلامٌ تحاول أن تجد لنفسها مكانًا تحت شمس الحياة.
أما "سحر" فكانت في السنة الخامسة مِن المرحلة الابتدائية، تذهب كل صباح إلى المدرسة بجدائل معقودة، ودفتر تحمله لصدرها كأنها تخاف أن يسقط منه حرفٌ كانت قد تعبت في حفظه.
كان "محمود" أصغرها بثلاث سنوات، طفلًا في بداية الابتدائية، لا يزال بينه وبين العالم لعبة صغيرة، أو ورقة شجر يركض خلفها في الطريق إلى المدرسة.
و"آمال" الحنونة دائمًا، كانت قد أنهت دراستها التجارية الثانوية "بأخمين" قبل العودة لمدينة "بورسعيد" وعاد الحلم يراودها بأن تجد مكانًا في هذا العالم الجديد، يليق بما مرّت به مِن تضحيات.
عادت "أنعام" إلى عملها القديم، في حي "القليوبية ببورسعيد"، هناك حيث الزمن توقف قليلًا بسبب الحرب، ثم استأنف رحلته مع أول صباح لإعمار هذه المدينة مِن جديد.
دخلت "أنعام" مبنى العمل، تلوّح بيدها للموظفين القدامى الذين جمعهم الوطن مرة أخرى، وفي قلبها دفء العودة ونار الغياب.
وعند عودتها مِن العمل إلى البيت نظرت "أنعام"لكل شيء مِن حولها وهمست لنفسها وهي بالطريق تتأمل و تتذكر....
حيث كان البيت قديم، مبني مِن حجرٍ معتّق، له رائحة البحر، ورنين الموج إذا هدأ ليلًا.
في زواياه صورٌ عتيقة على جدران باهتة، وشرفة تطل على الزقاق الضيق حيث باعة الفاكهة يصيحون، وأصوات المارة تختلط بنقر خطوات الأمل على الأرض.
ولم ينسوا اليوم الذي عادوا فيه إلى وطنهم "بورسعيد"، ودخلوا المدينة مِن محطة القطار، حيث كانت الشمس تميل إلى المغيب، والنسيم يحمل رائحة البحر المميزة، رائحة لا تشبه سواها؛ مزيج مِن ملح وموج وحرية.
كانت "سحر" تنظر مِن نافذة القطار، كأنها تكتب بقلبها رسالة، تقول فيها:
"عدنا يا بحر… عدنا يا مدينة الأبواب العالية والقلوب الدافئة".
وتذكرت الأم حين كانوا بالطريق إلى البيت، مرّوا بـ شارع "الثلاثيني"، وسوق "الحميدي"، ونسائم البحر تصافح وجوههم كما تفعل الأم حين تستقبل أبناءها مِن سفر بعيد.
وتذكرت زوجها "رفاعي أبو بكر"، فكان لا يزال يعمل في الغربة، يطوف البلدان طباخًا على البواخر، يرمي الحنين في رسائل تُكتب على عجل، ويزرع السلام في كل اتصال صوتي متقطع، ويمني النفس بيوم يجتمع فيه بهم تحت سقفٍ واحدٍ مِن جديد.
وحينها تغلغلت الدموع وترقرقت بعين "أنعام" إشتياقاً وحنيناً لزوجها ، الذي طالت غربته.
في تلك الليلة، حين جلسوا حول مائدة بسيطة على العشاء ، ضحك "محمود" على نكتة مِن محمد، وردّ أحمد بمزحة، بينما آمال توزع الأطباق، و"سحر" تسكب الماء، شعرت "أنعام"، وهي تمسح جبينها بطرف منديلها القطني، أن هذا البيت، ولو ضاق، فهو أوسع مِن الدنيا حين يلتئم فيه القلب بأحبابه. بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق