لم تعد الشائعة مجرد خبر كاذب يُتداول على الهامش، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في المشهد العام. في الأيام الأخيرة، تكررت وقائع انتشار أخبار غير مؤكدة، ومقاطع مجتزأة، وتصريحات منسوبة لمسؤولين لم تصدر عنهم أصلًا، قبل أن تنفيها الجهات الرسمية لاحقًا.
المشكلة لم تعد في وجود الشائعة، بل في سرعة تصديقها وتأثيرها.
السؤال هنا ليس: من أطلق الشائعة؟
بل: لماذا أصبحت الشائعة أكثر إقناعًا من الحقيقة؟
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة معلومات
في المجتمعات المستقرة، يُكذِّب الناس الشائعة تلقائيًا إلى أن يثبت العكس.
أما في المجتمعات المُجهَدة، فيحدث العكس تمامًا:
يُصدَّق الخبر الصادم أولًا، ثم يُنتظر النفي.
هذا التحول لا يدل على سذاجة عامة، بل على أزمة ثقة متراكمة.
حين يشعر المواطن أن المعلومات الرسمية تأتي متأخرة، أو بلغة لا تشبه واقعه، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية بديلة، حتى لو كانت غير منطقية.
الشائعة لا تعيش وحدها، بل تنمو في الفراغ.
حين يتأخر التوضيح، أو يخرج مقتضبًا، أو يُقدَّم بلغة إنشائية، يترك مساحة واسعة للتأويل. وفي هذه المساحة، تتحرك الشائعات بسرعة، وتُضاف إليها مشاعر الغضب والقلق والخوف.
الفراغ المعلوماتي لا يخلق فقط أخبارًا كاذبة، بل يخلق روايات موازية تنافس الرواية الرسمية.
وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات تعبير، بل تحولت إلى ساحة سياسية مفتوحة بلا قواعد.
مقطع صوتي مجهول المصدر، أو صورة بلا سياق، قد تُحدث أثرًا أكبر من مؤتمر صحفي كامل.
الخطر هنا ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في غياب آليات واضحة وسريعة للرد، وفي ضعف القدرة على مخاطبة الناس بلغة مباشرة ومقنعة.
المفارقة أن كثيرًا من الشائعات لا تُصدَّق لأنها دقيقة، بل لأنها تشبه مخاوف الناس.
الشائعة تنجح حين تلامس قلقًا حقيقيًا، أو تجربة سابقة، أو إحساسًا عامًا بعدم اليقين.
لهذا، فإن محاربة الشائعة لا تبدأ بالتكذيب، بل بمعالجة البيئة التي تسمح بانتشارها.
المسألة سياسية بامتياز
الشائعة ليست مسألة إعلامية فقط، بل مسألة سياسية.
لأن الثقة في المعلومة جزء من الثقة في الدولة، وأي اهتزاز فيها ينعكس مباشرة على الاستقرار العام.
الدولة التي تترك الساحة فارغة، أو تكتفي بردود متأخرة، لا تخسر معركة إعلامية فقط، بل تخسر معركة السرد.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق