عاد "محمد" مِن العمل في وقتٍ متأخرٍ قليلاً، يعلو وجهه الإرهاق وتنسدل مِن على جبينه حباتُ عرقٍ خفيفة، لكنه كان يحمل في يده كيسًا صغيرًا مِن الشوكولاتة، وقد أبتسم حين دخل إلى البيت وهو ينادي:
— "سحر , آمال ، محمود يوجد مفاجأة جميلة لكم اليوم...!"
ركضت "آمال" الكبيرة مِن غرفتها، تتبعها "سحر" بخطوات متأنية وهي تمسح على شعرها المبلل بعد أن اغتسلت، وقالت "آمال" بعيون تلمع:
— "بابا أرسل لنا شوكولاتة....؟!"
ضحك "محمد" وقال وهو يمد الكيس لهما:
— "ليس بابا… "محمد" أخوكم الكبير الذي يعمل و يتذكركم دائماً...!"
احتضنت "سحر" الكيس في سعادة، بينما قالت "آمال" بمرح:
— "وأنا سوف أتذكر إنك بابا كل ما تشتري لي شوكولاتة دائماً..!"
ضحك "محمد" وربت على رأسها، ثم جلس بجوار والدته "أنعام" التي كانت تفرغ كيس خضروات صغيرًا على الطاولة، واعطاها جزءًا مِن المال قائلاً:
— "خذي يا أمي… هذا ما تبقى مِن المرتب، افعلي ما تشائين وما تحتاجيه للبيت قومي بشرائه، أنا أخذت جزء بسيط للمواصلات مِن المرتب."
نظرت إليه الأم بعينين مرهقتين مِن التفكير وقالت برفق:
— "ربنا يبارك فيك يا "محمد"، أنت حملت الهم و المسؤولية باكراً… لكن الدنيا تكبرنا رغماً عنا سريعاً وتحكم علينا ظروف الحياة."
هزّ "محمد" رأسه، ثم قال:
— "كنت أفكر أن أشتري موتوسيكل مستعمل، لأعمل عليه وقت خروجي مِن العمل… ليساعدني على توصيل الطلبات و أي شيء يساعدنا على إدخال رزق للبيت لابد مِن التفكير فيه."
رفعت "أنعام" عينيها سريعًا، وفي وجهها نظرة تردد وخوف مكتوم، ثم قالت:
— "ليس الآن يا "محمد"… هذا ليس الوقت المناسب تمهل يا ولدي لهذه الخطوة.
والدك ما زال يرتب أموره في ولاية "نيويورك"، ومنتظرين منه مبلغ يساعد في مصاريف البيت.
أي مبلغ زائد علينا أن نحسب له ألف حساب ونتعامل بحذر."
— "لكن يا أمي الموتوسيكل سوف يوفر علينا الكثير، وسوف يساعدني في العمل والتوزيع أيضاً ويوفر قيمة المواصلات."
— "أدرك ما تقوله جيداً، لكن عليك بالصبر لبعض الوقت… لا أريدك أن تتهور في أخذ القرارات.
نحن نسير خطوة بخطوة يا ابني."
لحظتُ صمتًا في الأرجاء، كانت "سحر" تراقب الحديث، وعيناها تتقلب بين أخيها وأمها، وكأنها تدرك أن وراء الكلمات قلقًا أكبر مِن مجرد مصاريف ومسؤولية.
وبينما كان "محمد" ينهض ليأخذ قسطًا مِن الراحة، سمع طرقًا خفيفًا على الباب، فنهض ليفتح، وإذا بساعي البريد يعطيه ظرفًا رسميًا مختومًا بشعار وزارة الدفاع.
فتح "محمد" الظرف أمام الأسرة، وقبل أن يقرأ، كانت الأم تقول وهي تحاول كتم قلقها:
— "خير يا "محمد.....؟"
قرأ "محمد" بصوت متهدج:
— "استدعاء رسمي لتأدية الخدمة العسكرية… يجب التوجه خلال أسبوع للتسليم يا أمي ."
ساد صمتٌ مفاجئ، وتبدّلت ملامح الجميع، حتى "آمال" توقفت عن أكل الشوكولاتة، وظلت تنظر إليه بإستغراب.
قالت "أنعام" بصوت واهن:
— "يجب عليك الذهاب لتأدية الخدمة العسكرية.....؟
الأن يا ابني....؟!"
أومأ "محمد" برأسه وهو يغالب ارتباكه:
— "نعم يا أمي… هذا أمر واجب. لقد إنتهيت مِن عملي وكنت أتمنى مساعدتكم أكثر، لكن مِن الواضح أن القدر له ترتيب أخر."
أقتربت منه "أنعام" واحتضنته، وضغطت على كتفه بحنان:
— "ربنا يحميك يا ابني… نحن معك، وقلوبنا دايمًا تدعي لك."
قال "محمود"، أخوه الصغير، وهو ينظر إلى "محمد" بعينين تملؤهما البراءة:
— "ستذهب إلى الجيش وتتركنا....؟
مٓن يشتري لى الشوكولاتة....؟"
رد عليه "أحمد" أنا يا "محمود" يا حبيبي مكان "محمد"، و مكان أبي ، لا داعي للقلق سوف أشتري لك كل ما تحب.
ضحك "محمد" وسط دمعة كانت تتكوّر خلف عينيه، وقال:
— "عندما أعود أشتري لك الشوكولاتة بكمية لتكفي سنة كاملة."
وهكذا، كان البيت في تلك الليلة يذوب بين طعم الشوكولاتة ومرارة الغياب القادم، وبين حلو الأحلام التي لم تكتمل وواجب الوطن الذي لا يُؤجل. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق