الأربعاء، 25 فبراير 2026

حين تُشوِّه الدراما الوعي: سؤال مؤجَّل حول الرقابة الفنية

قراءة نقدية في مسؤولية الدراما المصرية تجاه القيم والتماسك المجتمعي
لم تعد الدراما التلفزيونية مجرد وسيلة للترفيه أو الهروب المؤقت من ضغوط الواقع، بل أصبحت فاعلًا ثقافيًا مركزيًا في تشكيل الوعي الجمعي، وإعادة صياغة منظومة القيم، والتأثير في أنماط السلوك داخل المجتمع. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع يفرض نفسه بإلحاح: أين الرقابة الفنية مما يُعرض اليوم من أعمال درامية مصرية؟
لا يُطرح هذا السؤال بدافع التضييق على حرية الإبداع، ولا انطلاقًا من نزعة رقابية تقليدية، بل من منطلق إدراك الدور الخطير الذي باتت تلعبه الشاشة في توجيه الذوق العام، وإعادة تعريف المقبول والمرفوض، خاصة في ظل انتشار واسع لمحتوى درامي يتناول التفكك والانحراف والعنف بوصفها مكونات طبيعية للحياة اليومية.
الدراما بين تمثيل الواقع وصناعته
يردد صُنّاع بعض الأعمال الدرامية مقولة شائعة مفادها أن الدراما “تعكس الواقع كما هو”. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الدراما لا تكتفي بعكس الواقع، بل تسهم في صناعته وإعادة إنتاجه. فاختيار القضايا، وطريقة معالجتها، وبناء الشخصيات، وتكرار أنماط بعينها، كلها عناصر قادرة على تحويل السلوك الشاذ من استثناء مرفوض إلى صورة مألوفة، ثم إلى خيار قابل للتبرير.
الفرق كبير بين عمل درامي يطرح ظاهرة اجتماعية بهدف تحليلها ونقدها وكشف آثارها المدمرة، وبين عمل آخر يغرق في تفاصيلها دون مساءلة أخلاقية أو درامية، فيتحول العرض إلى تطبيع غير مباشر مع الانحراف، تحت غطاء الواقعية والجرأة.
اختلال البوصلة القيمية في السرد الدرامي
من أخطر ما تشهده بعض الأعمال الدرامية المعاصرة هو إعادة تشكيل مفهوم البطولة. ففي كثير من الحالات، تُقدَّم شخصيات تعاني من خلل أخلاقي أو سلوكي في صورة جذابة وذكية وقادرة على السيطرة، بينما تُصوَّر القيم المرتبطة بالمسؤولية الأسرية والالتزام الأخلاقي باعتبارها ضعفًا أو سذاجة أو عائقًا أمام النجاح.
هذا الانزياح لا يحدث بشكل فج، بل يتسلل تدريجيًا عبر حبكات محكمة، وحوارات لافتة، ومبررات نفسية تُقدَّم بمهارة، حتى يجد المتلقي نفسه متعاطفًا مع السلوك الخاطئ، أو على الأقل متفهمًا له، في تمييع واضح للحدود الفاصلة بين التحليل والتسويغ.
الرقابة الفنية: غياب المفهوم لا الأداة
الرقابة الفنية، في معناها المهني الحديث، لا تعني المنع أو الحذف، ولا تقوم على مصادرة الأفكار، بل هي منظومة تقييم ثقافي وأخلاقي توازن بين حرية الإبداع ومسؤولية التأثير. إنها عقل نقدي مؤسسي يطرح أسئلة جوهرية قبل الإنتاج: ما الرسالة؟ ما الأثر المتوقع؟ ما الذي يضيفه هذا العمل إلى وعي المجتمع؟
المشكلة الراهنة لا تكمن فقط في ضعف آليات الرقابة، بل في غياب رؤية فلسفية تحكم المشهد الدرامي. فحين تُترك معايير السوق وحدها لتحديد مضمون الأعمال، تصبح الصدمة وسيلة جذب، ويغدو الجدل بديلاً عن العمق، وتتحول الجرأة من أداة فنية إلى غاية في ذاتها.
الأثر المجتمعي طويل المدى
لا تظهر الآثار السلبية للدراما على المجتمع بشكل فوري، لكنها تتراكم بمرور الوقت. فتشويه صورة الأسرة، وتسييل القيم الأخلاقية، وتطبيع أنماط العنف اللفظي والسلوكي، كلها نتائج تتسلل بهدوء إلى الوعي الجمعي، وتنعكس لاحقًا في العلاقات الاجتماعية، ونظرة الأجيال الجديدة إلى الزواج، والالتزام، والمسؤولية.
الدراما التي تكتفي بعرض التفكك دون تقديم أفق إنساني أو أخلاقي، لا تسهم في فهم الواقع بقدر ما تُكرّس أزماته، وتدفع المجتمع إلى حالة من التبلد القيمي، تحت شعار “نقل الحقيقة”.
خاتمة
إن الدفاع عن حرية الإبداع لا يتعارض مع المطالبة بمسؤولية فنية واعية. فالفن ليس نشاطًا محايدًا، وتأثيره لا يمكن فصله عن نتائجه. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كنا نحتاج إلى رقابة، بل أي رقابة نحتاج: رقابة تحترم عقل المتلقي، وتدرك حساسية اللحظة المجتمعية، وتؤمن بأن الدراما القوية لا تُشوِّه الوعي ولا تقود المجتمعات إلى أنفاق مظلمة، بل تفتح مساحات للفهم والنقد وإعادة البناء.             بقلم المؤلف والسيناريست ...وليد عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot