الأربعاء، 25 فبراير 2026

أكتوبر.. حين كتب المصريون تاريخهم بالنار والنور

كتب/عماد سمير 
في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن السماء وحدها تمطر نارًا فوق ضفتي القناة، بل كانت تمطر كرامةً مستردة، وإرادةً وطنية قررت أن تكسر المستحيل. إنها حرب أكتوبر، اللحظة التي تحولت فيها الهزيمة إلى درس، واليأس إلى خطة، والصمت إلى عبورٍ دوّى صداه في العالم كله.
عبور لم يكن عسكريًا فقط:
لم يكن عبور قناة السويس مجرد مناورة عسكرية محكمة، بل كان عبورًا نفسيًا ومعنويًا لشعبٍ كامل. ست سنوات من الإعداد والتخطيط والعمل الصامت، منذ نكسة 1967، صاغت جيشًا يعرف ماذا يريد، ويؤمن أن المستحيل كلمة يمكن إعادة تعريفها.
تحطمت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” مع أول موجة اقتحام، وسقط خط بارليف تحت ضغط الإرادة قبل ضغط المدافع. كانت خراطيم المياه التي أزاحت الساتر الترابي، رمزًا لذكاء عسكري فريد، يؤكد أن الحروب لا تُحسم بالقوة فقط، بل بالفكرة.
قرار الحرب… بين السياسة والكرامة:
اتخذت القيادة المصرية قرار المواجهة في لحظة فارقة، بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي أدرك أن بقاء الوضع على ما هو عليه أخطر من خوض المعركة. فجاء القرار سياسيًا بامتياز، لكنه استند إلى استعداد عسكري حقيقي، وخطة خداع استراتيجي أربكت العدو حتى اللحظة الأخيرة.
كان الهدف واضحًا: كسر الجمود، وتحريك المياه الراكدة في ملف الصراع، وفتح باب التفاوض من موقع قوة، لا من مقعد الضعف.
الجيش والشعب… معادلة النصر:
في أكتوبر، لم يكن الجيش وحده في الميدان، بل كان خلفه شعب بأكمله. الأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن بالزغاريد، العمال الذين واصلوا الإنتاج، الإعلام الذي رفع الروح المعنوية، والدبلوماسية التي تحركت في العواصم العالمية… جميعهم كانوا شركاء في صناعة النصر.
لقد أثبتت الحرب أن تماسك الجبهة الداخلية هو السلاح السري لأي معركة، وأن الوحدة الوطنية تصنع المعجزات حين تتجسد في هدف واضح.
أكتوبر… رسالة لا تنتهي:
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عابرة في كتاب التاريخ، بل كانت رسالة دائمة للأجيال:
أن الانكسار ليس نهاية الطريق،
وأن الإعداد الجيد يصنع الفارق،
وأن الوطن لا يُسترد بالشعارات، بل بالتضحيات.
واليوم، بعد أكثر من خمسة عقود، ما زال أكتوبر حاضرًا في الوجدان المصري، ليس كذكرى احتفالية فحسب، بل كمدرسة في التخطيط والصبر والإيمان بالقدرة على التغيير.
أكتوبر لم يكن يومًا في التقويم… بل كان لحظة وعي أمة.
لحظة أدرك فيها المصريون أن التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل بالدم والعرق والإصرار.
وستبقى حرب أكتوبر المجيدة شاهدًا على أن الشعوب التي تعرف قيمة أرضها، لا تسمح بأن تُسلب إرادتها… وأن الكرامة حين تُسترد، تُصبح جزءًا من هوية وطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot