الاثنين، 16 فبراير 2026

لم يعد النفاق في زمننا مجرّد خُلُقٍ مذموم يُتداول في كتب الأخلاق

لم يعد النفاق في زمننا مجرّد خُلُقٍ مذموم يُتداول في كتب الأخلاق ، بل تحوّل إلى منهجٍ يُمارَس علنًا ، وسُلَّمٍ يصعد به بعضهم إلى مواقع لا يستحقونها ، مستندين إلى التلميع والكذب وادّعاء المسميات الفارغة. 
وكأن التاريخ يعيد نفسه حين خرج من قبلُ من ادّعى ما ليس له ، فكانت نهايته عبرةً لكل من يبيع الحقيقة بوهم المكانة.

نعيش اليوم مرحلةً يكثر فيها ادعاء الفضيلة ، ومُتاجروا الشعارات ، ومَن يتزيّنون بثياب العفّة زورًا ، ويتحدّثون باسم القيم وهم أول من يهدمها ، ويزعمون خدمة الناس بينما لا يخدمون إلا مصالحهم الضيّقة. تحيط بهم دوائر من المطبلين والمنافقين الذين يصنعون ضجيجًا بديلاً عن الإنجاز ، وصورةً بديلاً عن الحقيقة ، ومشهدًا إعلاميًّا بديلاً عن الواقع.

الخطر الحقيقي لا يكمن في خصمٍ واضح المواجهة ، بل في منافقٍ يتخفّى خلف الكلمات الكبيرة واللافتات البرّاقة. فالمنافق لا يكتفي بتزييف ذاته ، بل يسعى لتزييف وعي المجتمع ، فيُبدّل المفاهيم ، ويُربك الموازين ، ويجعل الكذب رأيًا ، والتزلّف حكمة ، والصمت عن الخطأ نوعًا من الولاء. 
وهنا تبدأ الناس في فقدان بوصلتها الأخلاقية قبل أن تفقد توازنها السياسي.

كفاكم تسلّطًا باسم الفضيلة ، وكفاكم اتّجارًا بالشعارات ، وكفاكم خداعًا للناس بصورٍ مصطنعة وخطاباتٍ محفوظة. 
فالمكانة الحقيقية لا تُنتزع بالضجيج ، ولا تُصنَع بحملات التلميع ، بل تُبنى بالصدق والكفاءة والنزاهة والخدمات الحقيقية لا بالادعاءات الكاذبة. 
والزمن – مهما طال – لا يحمي زيفًا ، ولا يمنح الفضيلة لوهمٍ قائمٍ على الكذب.

لقد كان التحذير قاطعًا من هذا الطريق وعواقبه ، حين ارتبط النفاق بالكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة ؛ وهي ليست مجرّد صفاتٍ فردية ، بل مؤشرات سقوطٍ أخلاقي ينعكس على المجال العام كلّه. وحين تتصدّر هذه الصفات المشهد ، يصبح الإصلاح الحقيقي واجبًا لا خيارًا ، وكلمة الحق ضرورةً لا ترفًا.

إن المعركة اليوم ليست بين أشخاص ، بل بين قيم : بين الصدق والزيف ، بين النزاهة والانتهازية ، بين خدمة الناس واستغلالهم. وسيبقى الرهان دائمًا على وعي الشعوب التي قد تُخدع لحظة ، لكنها لا تُخدع إلى الأبد. 
فكل بناءٍ قائمٍ على النفاق إلى زوال ، وكل صوتٍ بني على الكذب إلى خفوت ، ولا يبقى في النهاية إلا ما كان صادقًا نافعًا للناس.
ولقد قال فيكم المولي سبحانه وتعالى بعد أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ ..  (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) .
وقال رسول الله ﷺ
آية المنافق ثلاث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ".
صدق رسول الله ﷺ.
✍🏻 بقلم المستشار والمحرر الصحفي عمر ماهر أبو دقنة 
وكل عام وانتم بخير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot