الخميس، 12 فبراير 2026

أخمين

6
أخمين… 

لم تكن الأيام تمضي برفق على "سحر" و"آمال" في بيت الحاجة "حسنة" بقرية نائية مِن قرى محافظة "أسيوط" كان الزمن يسير على عكازين مِن الصبر والتعوّد. 

كانت "سحر" الصغيرة ذات القلب المتقد بالدهشة تنام كل ليلة وهي تحتضن صورة أمها التي لم تعد موجودًة أما "آمال" فكانت أكثر صمتًا تنظر مِن النافذة الصغيرة كل غروب وكأنها تحفظ وعدًا لم يتحقق بعد.

كانت الأم "أنعام" تعرف أن ما فعلته لم يكن هروبًا، بل كان انتزاعًا قاسيًا مِن قلبها أشبه بقطع لحم حيّ مِن الجسد. 

لم تكن تملك رفاهية البقاء ظروف العمل ألزمتها بالمغادرة وشقة صغيرة استأجرتها في عمائر المهاجرين في قرية "أخمين" على أطراف مدينة "سوهاج" كانت بالكاد تتسع لها ولأبنائها الثلاثة "محمد"، "أحمد"، و"محمود".

في أول زيارة قامت بها لبناتها بعد شهرين مِن الفراق، كانت الحاجة "حسنة" جالسة على المصطبة أمام البيت تلوّح بيدها كمن يردّ السلام على غائب منذ عام. 
ركضت "سحر" تحتضن أمها بقوة مفاجئة بينما "آمال" اكتفت بدمعة وإبتسامة باهتة.

قالت الأم بهدوء وهي تربّت على رأس "سحر":
ـ "أنا معكم يا بناتي… لكن الظروف هى مٓن تحكم علينا بفراق الأحبة بعض الأحيان، و أتمنى أن نتجمع مرة أخرى ، لكن بعد الإنتهاء مِن تأمين بعض الأوراق الخاصة بدراستكم والإستقرار بمنزل."

و في أخمين، كانت الحياة تدور في فُلك أبنائها الذكور "محمد" الابن الأكبر حاول أن يكون رجل البيت رغم أن عينيه كانتا ما تزالان تبحثان عن الطفولة. 

كان يحمل الماء مِن بئر العمارة، ويساعد الأم في حمل المشتريات مِن السوق.
أما "أحمد" فكان أشبه بشعلة لا تهدأ يركض في الممرات يختلق القصص والمغامرات. 

"محمود" أصغرهم كان كثير البكاء، كثير التعلّق بأمه، وكأنه يخشى أن تذهب ولا تعود مثلما ذهبت بناتها.

في إحدى الليالي بينما كانت الأم تحكي لهم قبل النوم عن آخر زيارة "لسحر" و"آمال" قال "محمد" بجدية: 
ـ "هل سنبقى دائماً متفرقين يا أمي...؟"

نظرت إليه الأم طويلًا ثم قالت: ـ "لأ يا حبيبي… اليوم الذي سنتجمع فيه سوياً قريباً… قريباً جداً."

كانت تحاول أن تبني داخلهم يقينًا لا يهتز. 
وربما كانت تبني اليقين داخلها هي الأخرى فهي مٓن يحتاج لهذا.

كانت تعلم أن الغربة داخل البلد لا تقلّ قسوة عن الغربة خارجها وأن الفقر ليس دائمًا هو العدو، بل الخوف مِن أن يتحول البُعد إلى عادة، والاشتياق إلى ذكرى.

في صباح أحد الأيام، بينما كانت تقف على سطح العمارة تنشر الغسيل سمعت صوت أطفال الحي يلعبون ويهتفون باسم "سحر". 
توقفت لثانية، وكأن أحدًا غرز شيئًا في قلبها.

إبتسمت، ثم قالت لنفسها:

ـ "كل ما أسمع اسمها أشعر بأن الدنيا تضحك لي ولو قليل… لابد مِن لم شملنا ، واسترجاع أولادي لحضني… مرة أخرى."

كان البيت في "أخمين" متواضعًا، لكنه دافئ. 
كل ركن فيه يحمل بصمة مِن الأم، وكل فوضى يفتعلها الأولاد تحمل معنى الحياة.
وكانت الأم في صمتها الطويل تكتب فصول الحنين بين أسطر الهمّ تحلم باليوم الذي يجتمع فيه الجميع تحت سقف واحد دون خوف أو حاجة أو غربة.  بقلم ..عاشقة الوطن سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot