جيل التيك توك في قفص الاتهام لم يعد الطفل يحلم أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا بل صار يحلم بعدد متابعين ولم تعد الشهرة رحلة كفاح طويلة بل فيديو لا يتجاوز الدقيقة في عالم تقاس فيه القيمة بعدد اللايكات تنشأ أجيال كاملة على إيقاع تمريرة إصبع فوق شاشة صغيرة تتحكم في تفاصيل يومهم وتشكل وعيهم دون أن نشعر كانت الطفولة يومًا تعني لعبًا في الشارع وضحكات عالية ودفاتر مدرسية تحمل أحلامًا مرسومة بألوان بسيطة أما اليوم فقد اختصرت الطفولة في تريند سريع ينتشر ويختفي خلال ساعات أطفال في الثامنة يفتحون بثًا مباشرًا ومراهقون يقيسون نجاحهم بعدد المشاهدات ويتعلمون أن القبول المجتمعي يمكن أن يتحقق عبر فلتر وصوت موسيقي رائج الفيديو القصير لم يعد مجرد وسيلة ترفيه بل أصبح بيئة تربية غير معلنة تصنع مفاهيم جديدة عن النجاح والجمال والقيمة والثراء السريع داخل الفصول الدراسية يلاحظ المعلمون تراجعًا واضحًا في التركيز دقائق الحصة تبدو ثقيلة على عقول اعتادت جرعات سريعة من الإثارة والانتقال المستمر بين المقاطع فالعقل الذي يتلقى عشرات الفيديوهات في دقائق يصبح أقل صبرًا على شرح يحتاج إلى تأمل وأقل استعدادًا لبذل جهد طويل من أجل نتيجة مؤجلة وهنا يظهر السؤال الصعب هل نحن أمام جيل لا يحب العلم أم أمام عقول أعيد تشكيلها لتتفاعل فقط مع السرعة والاختصار وخلف كل شاشة طفل يقارن نفسه بغيره يقارن شكله بآخرين يظهرون بصورة مثالية يقارن حياته اليومية بحياة مؤثرين يعرضون لحظات منتقاة بعناية فيبدأ الشعور بالنقص في التسلل تدريجيًا ويتحول اللايك من مجرد إعجاب عابر إلى مقياس للقيمة الذاتية ومع كل مقارنة غير عادلة تتشكل ضغوط نفسية صامتة قد لا ينتبه إليها الأهل إلا بعد أن تتراكم الأسرة تقف في حيرة بين المنع الكامل الذي قد يولد تمردًا خفيًا والترك المطلق الذي قد يفتح الباب لعالم لا يخلو من مخاطر فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها بل في غياب التوازن والوعي فالهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال بل أصبح نافذة مفتوحة على عالم بلا حدود يحمل فرصًا هائلة كما يحمل تحديات لا تقل خطورة ولسنا أمام معركة مع تطبيق بعينه بل أمام اختبار حقيقي لقدرتنا على مواكبة زمن يتغير بسرعة غير مسبوقة إن الطفل الذي يتعلم اليوم من الشاشة يحتاج إلى من يعلمه كيف يختار وكيف يميز وكيف يحمي نفسه من المقارنات القاسية ومن المحتوى الذي قد يشوش قيمه وهويته إن التربية لم تعد مسؤولية البيت وحده ولم يعد التعليم حكرًا على المدرسة بل تشاركهما خوارزميات لا تنام ولا تعرف الفروق الفردية ولا تراعي الخصوصية الثقافية والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس كيف نحذف التطبيقات من هواتف أبنائنا بل كيف نزرع في داخلهم بوصلة توجههم وسط هذا السيل المتدفق من المؤثرات فالتحدي الحقيقي ليس في عدد المتابعين ولا في سرعة الانتشار بل في قدرتنا على بناء جيل يمتلك وعيًا يحميه وقيمًا ترشده وثقة تجعله لا يقيس نفسه بعدد القلوب الحمراء بل بما يحمله من معرفة وأخلاق وإنجاز حقيقي وفي النهاية قد لا يكون الخطر في أن يشاهد أبناؤنا مقاطع قصيرة بل في أن تصبح حياتهم كلها قصيرة مختصرة في لحظات عابرة بلا عمق ولا معنى وهنا فقط ندرك أن القضية ليست تريندًا عابرًا بل معركة وعي ستحدد شكل المجتمع في السنوات القادمة
خلود محمد احمد محمد
ضيع ابنأء الشعب العربي وخاصه المصري استهلاك الوقت والعقل ربنا يستر على اولادنا يادكتوره
ردحذف