الثلاثاء، 24 فبراير 2026

الدراما في العصور القديمة: رسالة ووعي قبل أن تكون متعة

بقلم / المؤلف والسيناريست...وليد عبد النبي

لم تكن الدراما في العصور القديمة وسيلة للترفيه فقط، بل كانت أداة تربوية وثقافية عميقة، تحمل رسالة واضحة للمتلقي، وتسعى إلى تهذيب الوجدان وبناء الوعي الجمعي. فقد نشأت الدراما في سياق اجتماعي وفلسفي، ارتبط بالأسئلة الكبرى حول الإنسان، والقدر، والأخلاق، والمسؤولية، وكانت المسرحيات تُقدَّم بوصفها مساحة للتأمل والنقد، لا للاستهلاك السريع.
في الحضارات القديمة، وخاصة اليونانية، لعب المسرح دورًا محوريًا في توجيه المجتمع. كانت العروض المسرحية تُناقش قضايا العدالة، والسلطة، والصراع بين العقل والرغبة، وحدود المعرفة البشرية، في إطار فني راقٍ يحترم عقل المتلقي ويخاطب ضميره. ولم يكن الهدف إثارة الغرائز أو كسر القيم، بل تحفيز التفكير، وإحداث ما عُرف بـ«التطهير النفسي»، أي تحرير الإنسان من انفعالاته السلبية عبر الفهم والتأمل.
وتُعد مسرحية أوديب ملكًا — التي تُعرف عربيًا أحيانًا بـ«عودة أوديب» — نموذجًا بارزًا للدراما الهادفة. فهي لا تروي مجرد مأساة شخصية، بل تطرح أسئلة عميقة حول المعرفة والجهل، والقدر والاختيار، والسلطة والمسؤولية. أوديب لم يكن شريرًا، بل إنسانًا سعى للحقيقة، وحين واجهها تحمّل ثمنها، في رسالة واضحة مفادها أن الهروب من الحقيقة لا يلغيها، وأن الوعي — مهما كان مؤلمًا — هو الطريق الوحيد للخلاص.
الدراما الهادفة في تلك العصور كان لها أثر إيجابي بالغ في تشكيل وعي المجتمع. فقد ساهمت في ترسيخ القيم الأخلاقية، وتعميق الإحساس بالمسؤولية الفردية، وتعليم الناس أن للأفعال عواقب، وأن السلطة بلا حكمة تقود إلى الهلاك، وأن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، لكنه مسؤول عن مواجهته.
كما أدت الدراما دورًا مهمًا في التربية غير المباشرة؛ إذ تعلّم المتلقي من خلال القصة والصراع، لا من خلال الوعظ المباشر. فالمشاهد كان يخرج من العرض وهو أكثر وعيًا بذاته، وأكثر قدرة على فهم مشاعره، وأكثر إدراكًا لتعقيدات النفس البشرية والعلاقات الإنسانية.
إن المقارنة بين الدراما القديمة والواقع المعاصر تكشف فارقًا جوهريًا في الهدف والرسالة. فحين تفقد الدراما بعدها الأخلاقي والإنساني، تتحول من أداة بناء إلى أداة تشويه. أما حين تلتزم بقيمها الأصلية، فإنها تصبح قوة ناعمة قادرة على إصلاح الوعي، وتوجيه السلوك، والمساهمة في بناء مجتمع أكثر توازنًا ونضجًا.
لقد أثبتت الدراما الهادفة عبر التاريخ أن الفن ليس ترفًا، بل مسؤولية. وأن الكلمة والصورة حين تُقدَّمان بوعي، يمكن أن تُنقذا إنسانًا، وتنهضا بمجتمع، وتُعيدَا للثقافة دورها الحقيقي: بناء الإنسان قبل إبهاره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot