في زحام الحياة وضجيج الأيام، يأتي الهمّ كضيف ثقيل لا يُستأذن، يقعد بالروح عن الطيران، ويحجب عن البصر نور الأمل. وفي خضم هذا المعترك الإنساني، تبرز قصة ذلك الرجل المهموم الذي قصد حكيماً يبحث عن مخرج، ليكتشف أن المفتاح كان معه طوال الوقت، لكنه لم ينتبه.
"أجئت إلى الدنيا ومعك مشاكلك؟"، كان هذا أول سيل من نور تلقفه الرجل. فتأمل: هل ولد وهو يحمل همومه في يده الصغيرة؟ هل بكت أمه فرحاً به وبما يحمل من أوجاع؟ كلا، بل جاء كالصفحة البيضاء، نقياً لا يملك شيئاً سوى روحاً تبحث عن الحياة. فكيف له أن يصدق أن هذه المشاكل التي تعتصر قلبه اليوم، هي من لحمه ودمه؟
ثم كان السؤال الأعمق: "وهل سترتحل ومعك مشاكلك؟". هنا تجلى المشهد الأبدي: الإنسان يمضي وحيداً كما جاء، تاركاً خلفه كل شيء. لا بيتاً يحمله على ظهره، ولا منصباً يعتمر فوق رأسه، ولا حتى هماً واحداً يرافقه في رحلته الأخيرة. فإذا كان الهم لا يرافقنا في البداية ولا في النهاية، فكيف نسمح له بأن يكون سيداً علينا في وسط الرحلة؟
هنا تكمن الحكمة الكبرى: ما بين "لم تأت به" و"لن يذهب معك"، مساحة من العمر تُسمى "الحياة". فهل نعيشها حقاً، أم نعيش في انتظار أن تمر؟ هل نختار أن تكون همومنا ظلاً ثقيلاً، أم نختار أن نرفع بصرنا نحو السماء ونتذكر أن من بيده الأرزاق والأقدار، هو الحي القيوم؟
إن الدنيا بما فيها من تقلبات، لا تستحق أن تكون سجن أرواحنا. قد نمر بمنعطفات صعبة، وقد نتعثر، لكن أن نجعل من الهموم مسكناً دائماً، فهذه خيانة للروح التي وهبنا إياها الله.
فابتسم أيها المهموم، فرزقك مقسوم. كل رزق سيأتيك في حينه، لا يعجله قلقك ولا يؤخره صبرك. وقدرك محسوم، لكنه ليس نهاية العالم، بل هو مسار ضمن رحلتك. وأحوال الدنيا لا تستحق أن تحملها فوق طاقتك، لأنها بين يدي من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
إنها دعوة لأن ننظر إلى السماء أكثر مما ننظر إلى الأرض. أن نذكر أننا عابرون، وأن ما يثقلنا اليوم، قد نضحك عليه غداً. وأن الهم الذي نحمله وحيدين، يمكن أن نخففه حين نتذكر أننا لسنا وحدنا أبداً.
الحياة أقصر من أن تكون مجرد انتظار لهم يمر. الحياة أجمل من أن تسكنها الهموم. فلا تجعل ما لا تملك، ولا ما لا يدوم، يسرق منك ما تستحق: لحظات الفرح، وسكينة الروح، وثقة القلب بأن الغد يحمل ما لا تعلمه، وأن كل شيء بيد من لا تضيع عنده الودائع.
ابسم.. فما زالت الشمس تشرق كل يوم، وما زال في القلب متسع للحلم، وما زالت الحياة تستحق أن نعيشها بقلب خفيف، لا يحمل إلا قدر ما يستطيع
بقلم د.شيرين فؤاد
استشاري تدريب وتتطوير دولي معتمد ولايف كوتش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق