في أحد صباحات "نيويورك" المثلجة، كان "رفاعي" يتأمل مِن نافذة غرفته الضبابية.
السيارات تسير في صمت، والناس يهرولون تحت المطر الثلجي كأنهم أشباح بيضاء.
في صدره دفء اسمه "أنعام... وصوت "سحر" الصغير ما زال يرنّ في أذنه "هو سافر قبل أن أولد بهذه الحياة.....؟"
عندما أخبرته "أنعام" بسؤال "سحر" عن عمها فكان رد "أنعام" سافر بكثير ، فخشى "رفاعي" أن تأخذه الغربة مثل أخيه عن أولاده ووطنه، تنهد، ثم أخرج مِن حقيبته صورة قديمة تجمعه بأخيه "عزيز"، وقت أن كانوا شبابًا في الحقل، يضحكون والسماء فوقهم صافية.
مسح على الصورة برفق، ثم وضعها في مظروف، وكتب عليه "عزيز" بطلب مِن "رفاعي" بخطه الغليظ:
إلى "سحر... مِن عمّك "عزيز".
ثم أضاف أخرى... صورته وهو أمام تمثال الحرية، بإبتسامة نصفها تعب، ونصفها أمل.
في "مصر"، كانت "سحر" جالسة على الطاولة الصغيرة في صالة البيت، ترسم على كراسة المدرسة.
رسمت رجلًا طويلًا يقف أمام بناية عالية مكتوب عليها "نيويورك"، وكتبت بجوارها: عمّي "عزيز".
دخلت "أنعام"، ورأت ما تفعله، فأقتربت منها بهدوء.
ــ "ترسمين عمّك يا "سحر....؟"
هزّت "سحر" رأسها، وقالت في شغف:
ــ "أريد أن أرى عمي "عزيز... هل مِن الممكن أن يأتي في يوم من الأيام."
رفعت "أنعام" حاجبيها، كأن شيئًا تحرك في قلبها. قالت وهي تُبعد خصلة مِن شعر "سحر" عن عينيها:
ــ "إن شاء الله، ربنا ييسر ونذهب إلى أمريكا وتقابليه، وتملي عينك به... وتبني حياة جديدة في بلد ثانية، لكن أحذري أن تنسي بلدك يا "سحر."
"مصر" هي أم الدنيا وهى الوطن الحقيقي الذي به ترعرتي ونشأتي.
سكتت "سحر" للحظة، ثم قالت بطيبة الطفولة:
ــ "والعب في التلج يا ماما....؟"
ضحكت الأم:
ــ "وتلعبين في التلج... وتتأقلمي مع الحياة الجديدة التي ستكون غريبة عن ما تعودنا عليه بمصر، الغربة ليست فقط لعب يا ابنتي... فقط قولي يا رب."
وفي لحظةٍ صامتة، دخل ساعي البريد يحمل ظرفًا مختومًا مِن "نيويورك"، تسلّمه الأبن "أحمد"، ونادى:
ــ "أمي... جاء جواب مِن "أمريكا....!"
تسارعت أنفاسها، وأخذت الظرف، وفتحته بيد مرتجفة.
أخرجت الصورة... ورسالة قصيرة مِن ولدها و عمها "عزيز" :
"سحر... صحيح أنا لم أراكِ، لكن أشعر أنني أعرفك منذ وقت. هذه صورتي عندما تأتين إلى أمريكا سوف تريني وسنكون أصدقاء، وتعرفيني أكثر... سلامي لكِ وللجميع عمك عزيز."
أمسكت "سحر" الصورة، وظلت تحدّق فيها طويلاً... ثم همست:
ــ "أنا أيضاً أشعر بنفس الإحساس كأني أعرفه منذ وقت وأنه قريب مني."
كان ذلك اليوم بداية تغيّر شيءٍ في قلب "سحر"، شعورٌ جديد... غامض، لا هو شوق، ولا هو حلم، لكنه كان يشبه تمامًا... الحنين إلى ما لم نراه بعد. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق