بقلم: عمر ماهر عبده محمد عمر أبو دقنه
في كل حقبةٍ من التاريخ، يبرز سؤال الهوية قبل أي سؤالٍ آخر: من نحن؟ وإلى أين نسير؟ لكننا اليوم نقف أمام مفترقٍ أشدّ خطورة، حيث يتنازع المشهد جيلان؛ أحدهما ضائع، والآخر منقاد… وكلاهما يدفع ثمن غياب البوصلة.
جيل الضياع ليس جيلاً فاسداً بطبعه، ولا متمرداً بلا قضية، بل هو جيل نشأ في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وتكاثرت فيه المنابر، وتعددت فيه الأصوات حتى ضاعت الحقيقة بين الضجيج. جيل فتح عينيه على عالمٍ افتراضي يبيع الوهم في ثوب الحقيقة، ويُسوّق التفاهة على أنها نجاح، ويمنح الشهرة لمن لا يملك قيمة، ويهمّش أصحاب العقول لصالح أصحاب الصخب.
هو جيل لم يجد قدوةً ثابتة، ولا خطاباً صادقاً، ولا مشروعاً وطنياً واضحاً يحتضنه. فكانت النتيجة تشتتاً في الفكر، وارتباكاً في الهوية، وانبهاراً أعمى بكل وافد، حتى صار البعض يلهث خلف كل صيحةٍ عابرة، لا لأنه مقتنع، بل لأنه يخشى أن يتخلف عن القطيع.
أما جيل الانصياع، فهو الوجه الآخر للأزمة. جيل تعوّد أن يُسلّم دون نقاش، وأن يصفّق دون اقتناع، وأن يكرر ما يُملى عليه دون تمحيص. لا يسأل: لماذا؟ ولا يبحث: كيف؟ بل يكتفي بالوقوف في الصف، مهما كان الاتجاه.
إنه جيل خُدّر بالشعارات، وأُنهك بالهموم، حتى بات يرى في الصمت سلامة، وفي المجاراة حكمة، وفي التبعية أمناً. ومع مرور الوقت، تحوّل الانصياع إلى ثقافة، والتقليد إلى فضيلة، والمخالفة إلى تهمة.
والأخطر أن الجيلين يلتقيان في نقطةٍ واحدة: غياب الوعي النقدي. فالضائع يبحث عن ذاته فلا يجدها، والمنصاع يدفن ذاته كي لا يُتّهم بالخروج عن الصف. وبين هذا وذاك، تتآكل روح المبادرة، ويضعف الحسّ بالمسؤولية، ويتراجع الإحساس بالانتماء الحقيقي.
لسنا بحاجة إلى جلد الذات، ولا إلى اتهام الشباب بالخواء، ولا إلى شيطنة الكبار بحجة أنهم سبب كل أزمة. نحن بحاجة إلى مشروع يعيد الاعتبار للعقل، ويمنح الحرية معناها المسؤول، ويزرع في النفوس قيمة السؤال لا التمرد الأجوف، وقيمة الطاعة الواعية لا الانقياد الأعمى.
إن إنقاذ الأجيال لا يكون بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات الموسمية، بل ببناء بيئة تعليمية تُعلّم التفكير قبل التلقين، وتُعلي قيمة العمل قبل الظهور، وتربط النجاح بالجهد لا بالصدفة.
جيل الضياع يمكن أن يصبح جيل الريادة إذا وجد من يحتويه ويوجهه.
وجيل الانصياع يمكن أن يتحول إلى جيل المبادرة إذا أُطلق سراح عقله من قيود الخوف.
المعركة الحقيقية ليست بين شبابٍ وكهول، ولا بين جديدٍ وقديم، بل بين وعيٍ وغفلة. فإذا انتصر الوعي، استقامت البوصلة، وعاد المجتمع قادراً على إنتاج جيلٍ لا يضيع، ولا ينصاع… بل يفكر، ويختار، ويتحمل المسؤولية.
ويبقى السؤال معلقاً:
هل نملك شجاعة المواجهة؟
أم سنكتفي بتبادل الاتهامات، بينما تتسع فجوة الضياع… ويترسخ الانصياع؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق