الاثنين، 23 فبراير 2026

رمضان شهر التعافي النفسي

بقلم/ د. لينا أحمد دبة
رمضان ليس شهر امتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو مساحة زمنية مقدسة تمنحنا فرصة نادرة لمراجعة ذواتنا بصدق وهدوء. في زحام الحياة نؤجل مواجهة مشاعرنا، نؤجل الاعتراف بأوجاعنا، ونؤجل التصالح مع ماضٍ لم يلتئم بعد. لكن رمضان يأتي كوقفة رحيمة يخفّف الإيقاع، ويمنح الروح مساحة للتنفس.
الصيام في جوهره تدريب عميق على الصبر. نحن لا نمتنع فقط عن احتياجات الجسد، بل نتعلم ضبط انفعالاتنا، تهذيب كلماتنا، وتأجيل رغباتنا. وهذا المعنى يتقاطع تمامًا مع رحلة التعافي من الصدمات؛ فالتعافي أيضًا يحتاج صبرًا طويلًا، وثقة بأن الألم لا يدوم، وأن الجراح يمكن أن تلتئم وإن طال الزمن.
حين نصوم، نشعر بالجوع ثم نحتمله. نشعر بالعطش ثم نصبر. كذلك في رحلة الشفاء نشعر بالحزن، بالغضب، بالخوف… لكننا لا نهرب منهم، بل نسمح لأنفسنا بالشعور ثم نتجاوزه خطوة خطوة. الصيام يعلّمنا أن الاحتمال ليس ضعفًا، بل قوة هادئة.
رمضان فرصة لتنظيف المشاعر كما ننظف بيوتنا. أن نسأل أنفسنا:
ما الذي ما زلت أحمله في قلبي
من الذي أحتاج أن أسامحه… أو أحرر نفسي منه؟
ما الذنب الذي أرهق ضميري رغم أنني كنت ضحية لا جانية؟
في ليالي رمضان، وبين ركعات القيام، نستطيع أن نعيد صياغة علاقتنا بأنفسنا. أن نتوقف عن جلد الذات، وأن نعامل أرواحنا بالرحمة التي نطلبها من الله. فالله الذي كتب على نفسه الرحمة، لا يريد لنا أن نظل أسرى ألمٍ قديم.
التعافي لا يعني نسيان الماضي، بل يعني ألا نسمح له أن يتحكم في حاضرنا. ورمضان يذكّرنا بأن كل يوم صيام ينتهي بإفطار، وكل ليل يعقبه فجر. وكذلك الألم… مهما طال، له نهاية.
فلنجعل هذا الشهر بداية رحلة شفاء جديدة.
نصوم عن القسوة على أنفسنا.
نصوم عن استحضار الذكريات المؤذية بلا وعي.
ونفطر على الأمل… وعلى يقين أن الله يرمم القلوب كما يبدّل الأحوال.
رمضان شهر العبادة، نعم
لكنه أيضًا شهر التعافي، لمن أراد أن يبدأ من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot