السبت، 21 فبراير 2026

رائحة الخبز... وطعم العائلة


كانت الشمس تتسلّل بخجلٍ عبر نافذة الحجرة الصغيرة، حين ارتدت "سحر" مريول المدرسة، ورتّبت شعرها كما علّمتها أمها.

لم تكن المدرسة مجرد مكان للدراسة، بل كانت عند "سحر" مسرحًا للحبّ.
في فناء المدرسة كانت تسبق خطاها خطوات الأخريات، لا لأنّها أسرع، بل لأنها كانت تحمل قلبًا يسع الجميع بصدق.

تمسك بيد صديقتها الخجولة، وتضحك في وجه الطالبة الجديدة، وتساعد الصغيرة على حمل حقيبتها الثقيلة، كما علمتها أمها "كوني يدًا لا تدفع... بل ترفع داعمة للجميع".

كانت "أنعام" تتابعها مِن الشباك بإبتسامة خفيفة. مرت شهور قليلة على جلوسها بالبيت، لكنها كانت شهورًا أعادت إليها شيئًا مِن نفسها التي نسيتها.

تحضر الطعام بحب، وتذهب مع "آمال" للسوق صباحًا لشراء الخضار، وتجلس عصرًا تفرز الفاصوليا بيدٍها، وتقرأ "القرآن الكريم" بعد الانتهاء مِن أعمال المنزل.

أما "رفاعي أبو بكر"، فقد عاد له صوته، ولونه، وخطواته، بعدما نجا مِن بين أنياب البحر، وشفى مِن آثار الحريق. 

لم يعد ذاك الرجل المُحمّل برائحة الغربة، بل صار أبًا حاضرًا، يجلس كل يوم على رأس الطاولة في الغداء، ينتظر أولاده… لا السفينة بالعاملين عليها.

في ذلك اليوم، حين عاد "محمد" و"أحمد" مِن السوق، دخلوا كأنّهم جنود عائدون مِن معركة رابحة.

وعلى الطاولة، كانت "أنعام" تضع طبق الأرز، و"آمال" تُحضّر السلطة، و"سحر" تمسح الطاولة بفوطة نظيفة، بينما "رفاعي" يراقبهم جميعًا كمن يكتشف كنزًا.

جلسوا جميعًا. توزّعت الضحكات، وتلاحقت الملاعق، حتى تنحنح "رفاعي" وقال:

– "أنا عندي كلام مهم لكم."

صمتوا جميعًا.

ثم أكمل وقال :

– "أنا قررت أترك السفر."

اندهش الجميع، حتى "أنعام" نفسها  .

– "أفهم مِن ذلك أنك لم تفكر في السفر ثانية..؟" سأله "أحمد"

هزّ "رفاعي" رأسه بثقة:

– "لا كفى غربة. 
كفى فراق أنا تعبت كثيراً... والتعب ليس فقط  تعب الجسد... الغربة تسرق العمر، وأنا لا أريد أن أضيع ما تبقى مِن عمري بعيد عنكم."

همست "أنعام" بعين دامعة:
– "ربنا كتب لك عمر مِن جديد مِن أجل أن تكون وسط أولادك."

قال "محمد"، وقد بدا عليه التأثر:

– "نحن معك يا أبي... وبأيدنا نبني أي شيء دون أن تحتاج للبعد مرة أخرى ."

ضحكت "سحر" وقالت:

– "أفهم مِن ذلك أبي سوف يذهب بي إلى المدرسة كل يوم....؟"

ضحكوا جميعًا، ثم قال "رفاعي" وهو يضع قطعة خبز في فم "سحر":

– "وسوف أحمل حقيبتكِ أيضاً ...!"

"آمال"، بإبتسامتها الهادئة، نظرت إلى أمها وقالت:

– "رأيتِ يا ماما...؟
البيت أصبح عامر."

همست "أنعام" بدعاء صامت... ثم ردت:

– "البيت لم يكن بيت بدون رفاعي وبدونكم يا أولادي ."

في تلك اللحظة، لم يكن هناك حديث عن البحر، ولا عن السفن، ولا عن التعب… كان هناك فقط طعم الأرز، ورائحة الخبز الطازج، وصوت العائلة.

وكان هناك قرارٌ كُتب على وجه "رفاعي":
"لن أرحل بعد اليوم. هذا بيتي... وهنا سأبقى بين أولادي."  بقلم عاشقة الوطن....سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot