بقلم: أحمد المهدي صفوت
عاد اسم الدروز إلى واجهة المشهد العربي في اللحظة الأكثر التباسًا ووجعًا، لا عبر بطولات أو مواقف وطنية جامعة، بل عبر صور صادمة لأعلامٍ صهيونية مرفوعة، وصورٍ لبنيامين نتنياهو تُرفع في ساحات عربية، في مشهدٍ كسر ما تبقّى من الثقة، وفتح الباب واسعًا لسؤالٍ لا مفرّ منه: كيف انتقل جزء من الدروز من تاريخٍ حافل بالمقاومة إلى موقعٍ يُشتبه فيه بالانحياز للعدو؟
الدروز طائفة دينية مغلقة النشأة والامتداد، ظهرت في القاهرة خلال القرن الحادي عشر الميلادي، في سياق الدولة الفاطمية، وتحديدًا في عهد الحاكم بأمر الله، على يد حمزة بن علي الزوزني. تطوّر مذهبهم من الجذور الإسماعيلية إلى عقيدة خاصة تؤمن بالتوحيد المطلق، وتقدّس العقل، وتعتمد السرّية والانغلاق، ولا تقبل التحوّل إليها أو الخروج منها.
ومع اشتداد الاضطهاد، انتقل أتباع الدعوة إلى المناطق الجبلية الوعرة، فاستقروا في جبل لبنان، وجبل الدروز في جنوب سوريا، وشمال فلسطين، وأجزاء من الأردن.
هذا التاريخ الجغرافي الصعب صاغ شخصية درزية مقاتلة، صلبة، اعتادت المواجهة.
ولم يكن الدروز يومًا غرباء عن ساحات المقاومة؛ فقد قاوموا القمع العثماني، وبرز منهم فخر الدين المعني الثاني، الذي حلم بدولة مستقلة في الشام. وحين جاء الاحتلال الفرنسي، كان جبل الدروز شرارة الثورة السورية الكبرى عام 1925، بقيادة سلطان باشا الأطرش، الذي تحولت مقولته: «الدين لله والوطن للجميع» إلى شعار وطني عابر للطوائف، وكاد يهز عرش الاستعمار في دمشق وبيروت.
غير أن فلسطين المحتلة شكّلت نقطة التحوّل الأخطر. فبعد نكبة عام 1948، انتهجت إسرائيل سياسة تفكيك الهوية العربية، ففصلت الدروز عن محيطهم الفلسطيني، وفرضت عليهم التجنيد الإجباري، في خطوة لم تُفرض على غيرهم من فلسطينيي الداخل. ومع الزمن، صُنعت طبقة درزية داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وروّج لها بوصفها «أقلية موالية»، بينما جرى سلخها تدريجيًا عن القضية الفلسطينية، وتحويل التعايش القسري إلى اصطفاف سياسي وأمني.
اليوم، لم يعد الأمر مجرد مشاركة اضطرارية أو صمتٍ ثقيل، بل وصل في بعض الحالات إلى خيانةٍ علنية: أعلامٌ صهيونية تُرفع، وجرائم تُبرَّر، وقيادات يمينية إسرائيلية يُحتفى بها، بينما تُسفك دماء الفلسطينيين. هنا لا يعود الحديث عن اختلاف رأي، بل عن انحيازٍ واضح للجلاد ضد الضحية، وعن سقوطٍ أخلاقي لا تغطيه أي ذريعة تاريخية أو دينية.
وفي لبنان، تتكرر المعضلة بوجهٍ آخر. فبينما ظل جزء معتبر من الدروز ضمن النسيج الوطني المقاوم، وشارك في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، برزت عبر العقود أصوات ومجموعات نسجت علاقات سرّية أو علنية مع إسرائيل، خصوصًا خلال الحرب الأهلية، تحت لافتات الحماية، أو الخصوصية، أو الخوف من الإبادة.
هذه العلاقات، التي كُشف بعضها لاحقًا، أسهمت في تشويه صورة جماعية، رغم أن الخيانة كانت فعل أفراد وتيارات، لا طائفة كاملة. ومع ذلك، فإن الصمت أو التبرير أو المواربة حيال هذه الوقائع يضاعف الجريمة، ويحوّل الخطأ الفردي إلى شبهة جماعية.
الانزلاق من المقاومة إلى الخيانة لم يأتِ من فراغ؛ تغذّيه سياسة إسرائيلية قائمة على الإغراء والحماية، وخطاب الخوف من الذوبان، وعقيدة الانغلاق، وغياب مشروع عربي جامع يحتضن الأقليات دون ابتزاز، إضافة إلى أجيال نشأت داخل عقلية المحتل، وتشرّبت منطقه، حتى باتت ترى فيه ملاذًا لا عدوًا.
الدروز ليسوا كتلة واحدة، ولا تاريخهم صفحة سوداء واحدة. فيهم سلطان باشا الأطرش، وفيهم من يصافح نتنياهو. فيهم من قاتل الاستعمار الفرنسي، وفيهم من يخدم جيش الاحتلال. لكن التاريخ لا يخلط بين المقاوم والخائن، ولا يمنح براءة لمن يرفع علم المحتل فوق دماء العرب. فالمقاومة شرف، والخيانة لا دين لها، ومن اختار الخندق الخطأ سيسقط من ذاكرة الأمة، مهما حاول تزييف الوقائع أو تلميع السقوط.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق