ليس من الضروري أن يكون الاقتصاد قويًا داخليًا كي يكون مؤثرًا خارجيًا.
هذه الحقيقة، التي تبدو متناقضة للوهلة الأولى، تفسر لماذا تحظى دول نامية بعينها باهتمام بالغ من المؤسسات الاقتصادية الدولية، حتى في ذروة أزماتها.
الاقتصاد المصري مثال واضح على ذلك.
فعلى الرغم من التحديات الداخلية التي يعانيها المواطن يوميًا، تضع تقارير دولية مصر ضمن الدول ذات الأثر الاقتصادي الممتد خارج حدودها السابعة تحديداً في التأثير علي الاقتصاد العالمي حسب اخر تقرير للبنك الدولي ، وهو توصيف لا يتعلق بالرفاه الداخلي بقدر ما يتعلق بموقع الدولة داخل المنظومة الاقتصادية العالمية.
الخطأ الشائع هو الخلط بين قوة الاقتصاد وتأثيره.
القوة تعني الاستقرار، النمو، وارتفاع مستويات المعيشة.
أما التأثير، فيعني أن أي خلل في هذا الاقتصاد يترك أثرًا متسلسلًا يتجاوز حدوده الجغرافية.
قد يكون الاقتصاد هشًا، لكنه مركزي.
وقد يكون مثقلًا بالضغوط، لكنه محوري.
وهنا يكمن الفارق.
التأثير الإقليمي يرتبط بدائرة الجوار:
– التجارة البينية
– العمالة
– حركة السلع
– الاستقرار المالي للدول المجاورة
أما التأثير الكلي، فهو أوسع وأخطر، لأنه يمس:
– سلاسل الإمداد العالمية
– أسواق الطاقة والغذاء
– حركة الملاحة الدولية
– ثقة المستثمرين في منطقة كاملة
مصر لا تُقرأ اقتصاديًا بوصفها سوقًا محلية فقط، بل باعتبارها عقدة عبور، ووسيطًا بين قارات، ونقطة توازن في إقليم شديد الحساسية.
لذلك، فإن أي اضطراب اقتصادي حاد داخلها لا يبقى شأنًا داخليًا، بل يتحول إلى عامل قلق عالمي.
اهتمام المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، لا ينبع من المجاملة، ولا من الاعتبارات السياسية، بل من حسابات باردة تقوم على الأرقام والاحتمالات.
هناك عدة أسباب جوهرية:
أولًا: الحجم السكاني
مصر من أكبر الدول سكانًا في المنطقة، ما يجعلها سوقًا استهلاكية ضخمة، وأي اضطراب في قدرتها الشرائية ينعكس على قطاعات إنتاج وتصدير متعددة.
ثانيًا: الموقع الجغرافي
الاقتصاد المصري مرتبط بحركة التجارة العالمية، وأي توتر اقتصادي حاد يثير مخاوف تتجاوز الداخل إلى حركة النقل وسلاسل التوريد.
ثالثًا: الترابط الإقليمي
اقتصاد مصر متشابك مع اقتصادات دول أخرى عبر الاستيراد، التصدير، التحويلات، والاستثمارات. تعثره لا يعني سقوطه وحده، بل يربك محيطه.
رابعًا: منطق العدوى الاقتصادية
الاقتصاد العالمي لا يخشى الأزمة بحد ذاتها، بل يخشى انتقالها. والدول ذات الوزن الإقليمي تكون أكثر قابلية لنقل الارتباك من دولة إلى أخرى.
هنا تظهر المفارقة التي تثير غضب كثيرين:
كيف تصف التقارير الدولية اقتصادًا بأنه مؤثر، بينما يشعر المواطن داخله بالضغط والاختناق؟
الجواب ببساطة:
التقارير لا تقيس المعاناة، بل تقيس الأثر.
ولا تهتم بما يشعر به الفرد، بقدر ما تراقب ما قد يحدث للأسواق إذا اختل التوازن.
قد يكون المواطن محقًا في شكواه،
وقد تكون التقارير محقة في قلقها،
لكن كل طرف ينظر من زاوية مختلفة. بقلم الدكتورة......نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق