في المساء، بعد يوم عملٍ متعب، جلس "محمد" إلى جوار أمه "أنعام" في الصالة.
كانت السكينة تملأ المكان بعد تناول الغداء، و"آمال" تتنقّل بخفة في المطبخ، تُحضّر أكواب الشاي بنكهة النعناع، وهي تدندن لحنًا قديمًا تحبه أمها ( أنت عمري ) للسيدة أم كلثوم.
استند "محمد" بظهره إلى الأريكة، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم التفت إلى أمه قائلًا:
– "أريد أتكلم معكِ في شيء مهم يا أمي..."
نظرت إليه "أنعام" بعين الأم الحاضرة دائمًا، بعين تحسّ بما لا يُقال:
– "تكلم يا "محمد... قلبي يسعر أنك تحمل شيئًا في داخلك."
نظر إلى يديه برهة، ثم قال:
– "أفكر في شراء موتوسيكل... لأعمل عليه ويساعدني في توصيل الطلبات.
العمل مع أخي "أحمد" جيد، لكن أشعر أنه مِن الممكن أن أزود دخلي أكثر، وساعات عملي تكون أوسع... والموتوسيكل سوف يفيدني في الجيش أيضاً، وقت الإجازات."
قبل أن ترد "أنعام"، دخلت "سحر" الصغيرة فجأة، كعادتها حين تلتقط مِن الكلام ما يثير فضولها:
– "يا "محمد...! "
أشتريت لي الشيكولاتة....؟
كنت أنتظرك منذ الصباح."
ضحك "محمد"، وأخرج مِن جيبه قطعة مغلفة بلون لامع:
– "في جيبي يا "سحر"، خذي أنتِ و"آمال" و"محمود... واتركيني بعض الوقت مع أمي، أتكلم معها في موضوع مهم."
ركضت "سحر" فرحة، وهي تنادي "آمال":
– "آمااال....!
" محمد" أشترى لنا شيكولاتة...!"
هدأ الجو مِن حولهما، وعاد "محمد" ينظر إلى أمه، وكأنه ينتظر فتوى مِن قلبها لا مِن عقلها.
ساد الصمت لحظة، ثم قالت "أنعام" بصوت دافئ تخالطه غصة خفية:
– "أنا لم أخشى الدنيا لكن خوفي عليكم... لو ترى إن في شراء الموتوسيكل مصلحتك، ربنا يسترها معاك... أفعل .
لكن أحذر وخذ بالك مِن نفسك جيداً، الموتوسيكلات لم تكن دائمًا أمان."
وضع "محمد" يده على يدها، وقال:
– "أنا فاهم يا أمي... وسوف أكون حريص.
لكن لابد أن أتحرك في حياتي، لا أريد أكون تقيل عليكم فترة تأدية الخدمة العسكرية."
نظرت إليه "أنعام" بحنان عميق، وقالت:
– "أنت عمرك ما كنت ثقيل علينا... أنت ظهرنا، يا "محمد."
في تلك اللحظة، دخل "محمود" الصغير يحمل كوب شاي مِن يد "آمال"، وأبتسم قائلاً:
– "محمد... الشاي جاهز، وأختك "سحر" بتقول إنها سوف تعمل معك وتوصل الطلبات للزبائن وتشتري لها الشيكولاتة."
ضحك الجميع، وتحول الحديث الجاد إلى نكتة عائلية، لكن في قلب "أنعام" بقي الدعاء حاضرًا:
"يا رب، أكتب له الخير في كل خطوة." بقلم عاشقة الوطن....سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق