كتبت الدكتورة: فاطمة علي الملاح
في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ما زال الاضطهاد الوظيفي واقعًا يوميًا يعيشه ملايين العاملين حول العالم، بصورٍ قد تكون خفية أحيانًا، لكنها عميقة الأثر على الفرد والمؤسسة والمجتمع ككل.
لا يقتصر الاضطهاد الوظيفي على الفصل التعسفي أو الخصم غير المبرر، بل يتخذ أشكالًا متعددة، مثل: "التهميش المتعمد، إساءة استخدام السلطة، التمييز على أساس الجنس أو العمر أو الرأي، تكليف الموظف بمهام تفوق طاقته دون مقابل، أو حرمانه من حقوقه المشروعة في الترقية والتقدير".
وغالبًا ما يُمارَس هذا النوع من الاضطهاد تحت غطاء "النظام الإداري" أو "متطلبات العمل"،
آثار تتجاوز جدران المكتب.
إن أخطر ما في الاضطهاد الوظيفي أنه لا يتوقف عند حدود مكان العمل، بل يمتد ليصيب الصحة النفسية والجسدية للعامل، مسببًا القلق المزمن، فقدان الثقة بالنفس، الإحباط، وأحيانًا الاكتئاب، كما ينعكس سلبًا على الإنتاجية ويؤدي إلى بيئة عمل طاردة للكفاءات، حيث يختار المتميزون الرحيل بدلًا من الاستمرار في معركة غير عادلة.
صمتٌ مفروض وخوفٌ مشروع
في كثير من الحالات، يفضّل الضحايا الصمت خوفًا من فقدان مصدر رزقهم، أو من التعرض لمزيد من الانتقام الوظيفي، هذا الصمت وإن كان مفهومًا يساهم في ترسيخ ثقافة الظلم، ويمنح المسيء شعورًا بالحصانة والاستمرار.
المسؤولية المشتركة، مواجهة الاضطهاد الوظيفي ليست مسؤولية الضحية وحدها، بل هي مسؤولية الإدارة، والمؤسسات الرقابية، والمجتمع ككل، فوجود سياسات واضحة تحمي الموظفين، وقنوات آمنة لتقديم الشكاوى، وتطبيق مبدأ المحاسبة دون استثناء، هي خطوات أساسية لبناء بيئة عمل عادلة وصحية.
كلمة أخيرة:
إن العمل حق إنساني، والكرامة فيه ليست امتيازًا يُمنح، بل حقًا أصيلًا لا يجوز المساس به، ومحاربة الاضطهاد الوظيفي ليست رفاهية أخلاقية، بل ضرورة تنموية، لأن المجتمعات لا تُبنى إلا بسواعدٍ تعمل في بيئة يسودها العدل والاحترام.
احسنت القول
ردحذف