غابت الشمس في ذلك اليوم سريعًا، وكأنها أرادت أن تُسدل الستار على وجعٍ جديد حيث فراق الأم "آنعام" لإبنتيها.
وفي قلب الأم صوتٌ لا يهدأ يهمس بأن المهمة لم تكتمل بعد، وأن القلب الذي اقتطع نصفه عند باب بيت الحاجة "حسنه" لا يزال يحمل أثقال النصف الآخر مع أولادها البنين.
كان الأولاد الثلاثة:
"أحمد"، و"محمود"، و"محمد"، يجلسون حول المائدة الصغيرة في بيتهم بقرية "أخمين" بمدينة "سوهاج" يترقّبون عودة والأم "آنعام" مِن رحلتها مع "سَحر" و"آمال" لكنهم لم يدركوا أن ساعة الفُراق تدقّ لهم أيضًا.
دخلت الأم، إبتسامتها شاحبة وعيونها متعبة.
مسحت على رؤوسهم واحدًا تلو الآخر، وكأنها تتذكر زوجها الغائب وبناتها التي ودّعتهم دون أن تنطق بكلمة واحدة ، بل بدموع العين .
قال "محمد"، الإبن الأكبر بينهم، وقد بدأ يلاحظ شيئًا في ملامحها:
– "ما بكِ يا أمي...؟
هل حدث شيئاً ازعجك....؟"
جلست أمامهم و خفضت أنفاسها قليلًا، ثم تحدثت:
– "أريد مصلحتكم لم أترك "سَحر" و"آمال" عند جدّتكم الحاجة "حسنة" ولكن يجب علينا جميعاً أن تتحلى بالصبر وأن نتحمل لبعض الوقت لنتخطى هذه المرحلة لحين أن نتجمع مع اخواتكم ووالدكم مرة أخرى.
الظروف في هذه الفترة صعبة وأنا لابد مِن أن أنزل للعمل مرة أخرى لتلبية الإحتياجات لنا جميعاً و لإرسال المصروفات لأخوتكم كل شهر حتى تمر هذه المحنة على خير ونتجمع
مرة أخرى ."
ساد الصمت للجميع.
وهمس "محمد" بداخل نفسه ثم نظر إلى "أحمد" و قال ببراءة لأمه:
– "الم تريني رجلاً مثل أبي يا أمي....؟"
هزت الأم رأسها، وأخفت دمعوعها وهي تُكمل:
– "لأ يا حبيبي... لكنك مازلت صغيراً وبالدراسة تدرس .
حاول "محمد" أن يكون رجلًا صغيرًا كما كانت الأم دائمًا تتمنى، ثم صمتت قليلاً و قالت:
– "بماذا تساعدني يا ابني....؟
وأنت مازلت تدرس....؟"
أمسك بيدها "محمد" وقال لها:
– "سأذهب إلى السوق معكِ وشراء الإحتياجات اللازمة و حملها بكتفي حتى أشارك معكِ الحمل ، و لابد من التعاون معاً
فقالت الأم :
بارك الله فيك يا "محمد" فأنت رجل بالفعل ويجب علينا تجهّيز البيت الجديد، وأتمنى أن يكون به أمل… ومستقبل."
في أن يجمع الله شملنا مِن جديد.
و في اليوم التالي كانت الأم تستعد للذهاب إلى عملها حملت الحقائب بيد، وأمسكت بأولادها باليد الأخرى… كأنها تتشبّث بما تبقّى مِن روحها.
للذهاب بهم إلى مدرستهم قبل الذهاب لعملها.
الطريق إلى المدرسة " كان وعراً والجبال على الجانبين تشبه صدر الأم قاسٍ من الخارج، لكنّ بداخله يفيض دفئًا.
وصلوا قبيل الشروق إلى مدرستهم.
استقبلهم المعلم بإبتسامة هادئة، وقال وهو يربت على كتف "محمد" أنت مجتهد ورجل أنت واخوتك بارك الله فيكم.
– "اتركيهم أمانة فجميع الطلاب أولادنا هنا ولا تخشي عليهم."
الأم نظرت "لأحمد" ثم "محمود" ثم "محمد" كل منهم يحمل ملامح مِن أبيه وحكاية مِن طفولتها، وقطعة مِن قلبها.
ثم غادرت واحتضنتهم دفعة واحدة وقالت:
– "أنتم رجال رفاعي أبو بكر… عليكم الإجتهاد و التركيز بالدراسة لأجل إسعاد والدكم في الغربة وأنا الأن سوف أذهب إلى عملي .
كونوا رجال سند لبعض مثل ما تمنى لكم أبيكم أن يراكم دائماً يداً واحدة متماسكون كالرجال."
ودّعتهم على عتبة الفصل و غادرت بصمت بين طرقات المدرسة، لا تسمع سوى صوت خطواتها، وثقل الحنين في صدرها.
وفي تلك الليلة… كانت الأم وحدها في بيتٍ بلا ضحكات، ولا ضجيج، بسبب بعدها عن بناتها.
لكنها رفعت رأسها إلى السماء وقالت:
– "يا رب... خفّف عنهم و أجعلني أجمعهم جميعاً عن قريب مِن غير دموع ولا فراق."
كانت "رحلة سحر غانم" قد بدأت، ولكن مِن قال إن الأبطال وحدهم مٓن يسافرون.....؟
أحيانًا تكون الأم أول مٓن يشقّ الطريق حتى لو خُدِش قلبها في كل منعطف. بقلم..عاشقة الوطن سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق