بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
نحن لا نختلف حول الذكاء الصناعي بل نختلف حول أنفسنا
في كل مرة يصفه أحد بأنه خلاص البشرية أو كارثة قادمة فهو لا يصف آلة بل يكشف تصورًا داخليًا عن القيمة الإنسانية وعن السيطرة والإبداع والسلطة يبدو النقاش تقنيًا لكنه في جوهره وجودي فخلف كل تحذير من الأتمتة أو احتفاء بالكفاءة يوجد سؤال صامت إذا كان نظام قادرًا على إنتاج لغة وأفكار واستراتيجيات فما الذي يبقى فريدًا لي
الذكاء الصناعي لا يملك نية ولا يسعى للهيمنة ولا يخشى التهميش هو يعالج أنماطًا ويولد احتمالات لكن كلما أصبح أكثر ترابطًا في مخرجاته زاد ميل البشر لإسقاط صفة الفاعل عليه نحن نخلط بين الطلاقة والفهم وبين التعقيد والشخصية وهذا الإسقاط يكشف الكثير عن طبيعة الإدراك البشري أكثر مما يكشف عن طبيعة الشيفرة
أشد ردود الفعل تأتي من الأطراف فهناك من يراه تهديدًا لهوية الإنسان وهناك من يراه مجرد أداة إنتاجية وبينهما من يدرك البعد البنيوي أن الذكاء الصناعي لا يستبدل العقل بل يعيد توزيع النفوذ المعرفي وعندما يصبح إنتاج المعرفة قابلاً للتوسع تتغير الهرمية التي بنيت على احتكار المعلومات وهذا ليس تحديثًا تقنيًا بل إعادة تشكيل لموازين القوة
أغلب النقاشات تتجاهل هذا المستوى القلق ليس من الإجابات بل من الملكية ليس من السرعة بل من المكانة ليس من القدرة بل من المعنى عندما تشارك الأداة في تشكيل الفكرة تصبح الحدود بين المساعدة والابتكار غير واضحة وعندما تضطرب الملكية تهتز الهوية
الذكاء الصناعي ليس وعيًا منافسًا بل بنية احتمالية لغوية مدربة على آثار البشر لكن في التفاعل معه يواجه الإنسان انعكاسًا غير مريح يرى حجم التفكير القائم على التكرار ويرى كيف يمكن دعم الإبداع هيكليًا ويرى كيف يمكن محاكاة السلطة الإرباك لا يصدر من الآلة بل من المرآة
السؤال الحقيقي ليس هل سيفكر الذكاء الصناعي مثلنا بل هل سنفكر نحن بوعي أكبر بسببه استخدامه كآلة بيع يضعف العضلة المعرفية واستخدامه كتعزيز بشري قد يقويها الأداة واحدة لكن النتيجة تختلف حسب انضباط العقل الذي يستخدمها
الذكاء الصناعي ليس أزمة تكنولوجية بل مرآة بنيوية تعكس شكل تفكيرنا وعلاقات القوة بيننا والاضطراب المحيط به ليس دليلاً على نية آلة بل علامة على انتقال إنساني أعمق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق