بقلم المؤلف والسيناريست/ وليد عبد النبي. ..
لا تبدأ الخسارات الكبرى دائمًا بضجيج أو إنذار واضح، بل كثيرًا ما تتسلل إلى الحياة في صورة قرار بدا بسيطًا، أو اختيار ظننّاه عاديًا، فإذا به يتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل، يدفع الإنسان ثمنه من استقراره النفسي، ومن علاقاته، ومن سنوات عمره. هكذا يكون سوء الاختيار؛ خطأ لا يُقاس بحجمه لحظة وقوعه، بل بما يخلّفه لاحقًا من آثار ممتدة.
من منظور نفسي، لا يختار الإنسان دائمًا ما يناسبه بقدر ما يختار ما ينسجم مع احتياجاته الداخلية غير المشبعة. فقد يقوده الخوف من الوحدة إلى علاقة مؤذية، أو يدفعه الفراغ العاطفي إلى صداقة تستنزفه، أو تجبره الضغوط المادية على عمل لا يشبهه ولا يحقق له أي شعور بالرضا. ومع تكرار التجربة، يظن البعض أن ما يحدث هو مجرد “سوء حظ”، بينما الحقيقة أن هناك نمطًا غير واعٍ في الاختيار لم تتم مراجعته أو تصحيحه.
وتُعد الصداقة أحد أكثر مجالات سوء الاختيار تأثيرًا وخطورة، لأن أثرها يتسلل إلى القيم والسلوك دون ضجيج. فأصدقاء السوء نادرًا ما يجرّون الإنسان فجأة إلى الخطأ، بل يبدؤون بتطبيع ما كان مرفوضًا، وتبرير ما كان مستنكرًا، والتقليل من شأن المبادئ باسم المرونة أو مسايرة العصر. ومع الوقت، لا يكتشف الإنسان أنه خسر أصدقاء فقط، بل أنه فقد جزءًا من بوصلته الأخلاقية، وأن المعايير التي كان يحتكم إليها قد تآكلت بصمت.
ولا يقل سوء الاختيار في العمل أثرًا، خاصة حين يُبنى القرار على الخوف وحده أو على الضرورة دون وعي. فقد يجتهد الإنسان بإخلاص في بيئة لا تقدّر، أو في مجال لا يعكس قدراته، أو تحت إدارة تُنهك أكثر مما تُنصف. نفسيًا، يتحول العمل هنا من وسيلة تحقيق للذات إلى مصدر دائم للضغط والإحباط وفقدان المعنى، ودينيًا تُنزع البركة حين يغيب الشعور بالعدل والرضا، حتى وإن بدا الاستمرار في الظاهر نوعًا من الصبر.
ويبقى سوء اختيار شريك الحياة هو الخسارة الأثقل، لأنه لا يخص الفرد وحده، بل يمتد أثره إلى أسرة كاملة. حين يتم هذا الاختيار تحت ضغط المجتمع، أو بدافع الحاجة، أو اعتمادًا على العاطفة وحدها دون بصيرة، تُبنى العلاقة على أساس هش. ومع أول اختبار حقيقي، تبدأ التصدعات في الظهور، ويصبح الانفصال أو الصراع نتيجة منطقية لبداية لم تُدرس بعمق. فالسكينة التي جعلها الدين غاية للزواج لا تتحقق بالنية الطيبة وحدها، بل بالوعي والتكافؤ والاحترام.
وفي البعد الديني، لا يُنظر إلى سوء الاختيار باعتباره قدرًا محتومًا، بل نتيجة غياب التروي والتفكر. فقد دعا الدين إلى استخدام العقل، والمشاورة، والاستخارة، وعدم الاندفاع خلف العاطفة أو الظرف. فالنية الحسنة لا تعفي الإنسان من مسؤولية التفكير، ولا تبرر تجاهل الإشارات الواضحة التي تسبق كثيرًا من النهايات المؤلمة.
الخلاصة أن سوء الاختيار لا يعني ضعفًا في الشخصية، بقدر ما يكشف عن لحظة غياب وعي. والنضج الحقيقي لا يظهر في كثرة التجارب، بل في القدرة على التوقف، ومراجعة الذات، وتغيير المسار قبل أن يصبح الثمن أفدح. فالبدايات الخاطئة نادرًا ما تُنتج نهايات سليمة، ومراجعة الاختيار ليست تراجعًا، بل شجاعة تحمي ما تبقى من العمر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق