الجمعة، 13 فبراير 2026

خارطه من الضوء


في البدء كان الحلم، تسريدة صباحية مشطتها أمي على رأسي قبل النوم، قائلة: “الدنيا تبدأ كل صباح، فلا تحمل همّ أمسك معك.”

تلك الكلمة علقت في ذهني كالبلورة الصافية. بدايتي الجديدة لم تكن وليدة لحظة فارقة، بل تراكم نور خافت ظننته انكساراً، فإذا به فجر. كمن يهدم جداراً ليرى النور، لا ليفقد غرفته، بل ليوسعها.

في زحام المدن، نخلق مبادئنا كجذور النخلة، لا تُرى لكنها تحملنا. تمسكي بالقيم لم يكن تصلباً، بل انتماء لبيت داخلي لا يُشترى. القيم ليست قيوداً، بل خارطة في زمن ضائع. حين يتمسك الإنسان بالمبدأ، لا يتخلف عن الركب، بل يصير الركب هو من يتخلف عنه.

وأحسنّا الظن. أحسنتُ الظن بالغد، لا كحالم أعمى، بل كفلاح يثق أن الأرض لا تخون من أخلص لها. أحسنّا الظن بالناس، فكثير من الجفاء كان قشرة تخفي خوفاً من الرفض. حين نكفّ عن اتهام النوايا، نفتح للنوايا الحسنة طريقها إلينا.

لكن الإحسان لا يعني السذاجة. رفض الغلط شجاعة، لا وقاحة. كم من خاطئ عاد لصوابه لأنه رأى في عين أحدهم مرآة صادقة، لا مطرقة قاضية. التمسك بالهدف ليس عناداً، بل صبر يعقبه فتح. مثل النهر، لا يصطدم بالصخر ليحطمه، بل يدور حوله ويواصل.

والأهداف القريبة هي أحضان الطريق الطويل. لا تنتظر غداً بعيداً لا تدركه، بل اصنع غدك اليوم. ابتسامة لموظف متعب، كلمة شكر لأم، وقت تقضيه مع صديق—هذه ليست تفاصيل، إنها نسيج الحياة.

والقيم المحببة… هي التي صارت جزءاً من نبضنا. ليست شعارات نرددها، بل عادات: الصدق كرائحة البيت صباحاً، الوفاء كالكرسي الوثير، العدل كالميزان الذي لا نميله ولو كسبنا.

القادم أجمل ليس تفاؤلاً أعمى، بل يقين أن من يعمل لا يضيع. ليس انتظاراً، بل حفراً في الصخر. القادم لا يُمنح، يُصنع.

تكاتفنا ليس خياراً، بل ضرورة وجود. في تكاتفنا نعوض نقص بعضنا، نكمل صورة بعضنا. لو تكاتفنا، ما انطفأ مصباح، وما ضاع طفل، وما بكى شيخ وحيداً.

أذكر قصة العصفور الذي وجد غصنًا مكسورًا، فظن أن الشجرة ماتت. في الربيع، رأى الشجرة تورق من حوله، فأدرك أن الموت موقف وليس مكاناً. هكذا نحن. قد نظن النهاية بلغتنا، فنكتشف أننا كنا في استراحة بين فصلين.

لا تستهين ببدايتك، مهما تأخرت. البذرة تحت الثلج تبدو ميتة، لكنها تحلم بالربيع. لا تقل فات الأوان، فالوقت ليس خطاً مستقيماً، بل دوائر. كل يوم نقطة بدء جديدة.

وانظر إلى هدفك وكأنك بلغته. أغمض عينيك وتذوق طعم الوصول، ستجد قوة لم تكن تحسبها. كثيرون لم يصلوا لأنهم لم يؤمنوا أن الوصول ممكن. لكنك ستصل.

لا تكسر من أجل أن تبني، بل أصلح. لا تهدم ما ورثت، بل جدّد ما أحببت. لكل منا غرفة سرية في قلبه، فيها قيمه الحقيقية. ادخل إليها، انفض الغبار، ستعرف الطريق.

فالقادم فعلاً أجمل، لكنه لا يأتي وحدَه. نأتي به نحن، خطوة خطوة، بيد في يد، وقلب على قلب.
بقلم دكتور شيرين فؤاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot