الجمعة، 13 فبراير 2026

بصيرة خلف القضبان.. كيف يحمي القانون المصري حقوق المكفوفين داخل مراكز الاحتجاز؟

بقلم: أحمد المهدي صفوت
في قلب منظومة العدالة الجنائية، تبرز قضية "المحتجز الكفيف" كاختبار حقيقي لمدى تفعيل نصوص الدستور والقانون على أرض الواقع. ومع التطور التشريعي الذي شهدته مصر بصدور القانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لم يعد التعامل مع الكفيف داخل أقسام الشرطة أو مراكز التأهيل خاضعاً للتقدير الشخصي أو "الرأفة"، بل أصبح محكوماً بحزمة من المواد القانونية الملزمة التي تضمن كرامته وسلامته.
المظلة القانونية: حقوق لا تقبل التجزئة
تستند حقوق المكفوفين في أماكن الحجز إلى المادة 81 من الدستور، التي تلزم الدولة بضمان حقوق ذوي الإعاقة أمنياً وصحياً. ويعزز ذلك قانون الإعاقة الجديد الذي أفرد مواداً خاصة (45، 46، 48) تضع ضوابط صارمة للتعامل معهم منذ لحظة التوقيف. فالمادة 45 تلزم جهات التحقيق بتوفير "الترتيبات التيسيرية المعقولة"، والتي تشمل تلاوة الاتهامات بصوت واضح، وضمان وجود مرافق أو محامٍ، وتوفير وسيلة تواصل تناسب حالة الكفيف لضمان سلامة إجراءات التحقيق.
جدلية "الدمج": هل يجوز حجز الكفيف مع المبصرين؟
تثير المادة 48 من القانون 10 لسنة 2018 تساؤلات هامة حول طبيعة الحجز؛ فبينما لا يمنع القانون "الدمج" بشكل مطلق، إلا أنه يضع شرط "عدم الإضرار". فالحجز مع "الأسوياء" أو المبصرين يجب أن يخضع لرقابة صارمة للتأكد من خلو المكان من العوائق المادية التي قد تسبب إصابات جسدية للكفيف، وضمان حمايته من أي شكل من أشكال التنمر أو الاعتداء النفسي، وهو ما يعاقب عليه القانون بعقوبات مشددة تصل للحبس والغرامة.
وفي مراكز الإصلاح والتأهيل الحديثة (السجون سابقاً)، بدأت الدولة في تفعيل "كود الإتاحة الهندسية"، حيث يتم تخصيص أماكن مهيأة بمسارات حركة واضحة وقريبة من الخدمات الأساسية ودورات المياه، لضمان استقلالية السجين الكفيف وحمايته من التزاحم الذي قد يشكل خطراً على حياته.
التنفيذ العقابي: رعاية طبية وإعفاء من الأشغال
عند صدور حكم نهائي بالحبس، تلتزم مصلحة السجون وفقاً لـ قانون تنظيم السجون وقانون الإعاقة بما يلي:
 * الإعفاء من التكليفات الشاقة: يُعفى السجين الكفيف من أي أعمال بدنية لا تتناسب مع قدراته، ويُدمج في برامج تأهيلية تعتمد على الحواس الأخرى (كالصناعات اليدوية أو التعلم السمعي).
 * الحق في المعرفة: تلتزم الإدارة بتوفير كتب بطريقة "برايل" أو تسجيلات صوتية، لضمان حقه في التعليم والثقافة خلف القضبان.
 * الإفراج الصحي: تمنح المادة 36 من قانون السجون الحق في عرض السجين الكفيف على اللجنة الطبية إذا تبين أن بقاءه في السجن يهدد حياته أو أن حالته الصحية تدهورت بشكل كلي يستوجب رعاية متخصصة لا تتوفر داخل المركز، مما قد يؤدي للإفراج الصحي أو تأجيل تنفيذ العقوبة.
تحديات الإتاحة المكانية
رغم قوة النصوص القانونية، تظل "الإتاحة المكانية" في أقسام الشرطة القديمة هي التحدي الأبرز. فالمباني التي لا تتوفر فيها منحدرات أو ممرات آمنة تضع مأموري الضبط في مأزق قانوني، حيث يحق لمحامي المحتجز الكفيف الدفع بـ "عدم ملائمة مكان الحجز" كسبب لنقله فوراً إلى مستشفى السجن أو مكان آخر مهيأ طبياً، حمايةً لحياته من أي خطر محتمل.
إن إنفاذ القانون تجاه الكفيف لا يعني سلب حقوقه كإنسان، بل يعني تنفيذ العقوبة في إطار "المواءمة" التي تضمن ألا تتحول سلب الحرية إلى تعذيب بدني ناتج عن عجزه البصري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot