بقلم: أحمد المهدي صفوت
يطل علينا شهر رمضان المبارك، لا كضيفٍ عابر في رزنامة الأيام، بل كمحطة غسيل كبرى للروح والقلب. والمسلم الحق هو من يدرك أن "الصوم" ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو "ارتقاء" عن كل ما يخدش حياء الروح ويُثقل كاهل النفس بالذنوب.
كيف يصوم المسلم الحق؟
إن الصيام الحقيقي يبدأ من القلب قبل المعدة. المسلم الحق يصوم بلسانه عن الغيبة، وبعينه عن المحرمات، وبقلبه عن الحقد والضغينة. هو ذاك الذي يجعل من جوعه وعطشه "تذكرة" بضعف الإنسان أمام عظمة الخالق، وبحق الفقير في ماله ووقتـه. الصيام هو تدريب على "السيادة"؛ سيادة الروح على المادة، وعزة النفس فوق الشهوات.
إحياء الأيام.. بالعمل لا بالكسل
إحياء أيام رمضان لا يكون بالنوم نهاراً والسهر أمام الشاشات ليلاً، بل بجدولٍ يجمع بين "عمارة الأرض" و"عمارة القلب". المسلم الحق هو من يتقن عمله وهو صائم، ويجعل من خلقه الحسن أبلغ دعوة لدينه. الإحياء يكون بوردٍ من القرآن يتدبر معانيه، وبسجدة في جوف الليل يسكب فيها شكواه وأمله لخالقه، وبيدٍ تمتد بالخير والصدقة في الخفاء.
كيف يتقبل الله الصيام؟
القبول عند الله سرٌّ مكنون، ولكن له علامات ومفاتيح. أولها "الإخلاص"؛ أن تصوم لله لا للناس ولا للعادة. وثانيها "جبر الخواطر"؛ فالله لا يقبل صيام من بات شبعان وجاره جائع، أو من صلى وقام وهو قاطع لرحمه. وثالثها "الاستمرارية"؛ فرب رمضان هو رب كل الشهور، وعلامة القبول هي أن تخرج من رمضان بقلبٍ أنقى وخلقٍ أرقى مما دخلت به.
في هذا الشهر الكريم، دعونا لا نجعل نصيبنا من الصيام الجوع والعطش فقط، بل لنجعل منه "ميلاداً جديداً" لأنفسنا. فالمسلم الحق هو من يغتنم "الفرصة" قبل أن تصبح "ذكرى"، وهو من يطرق باب الريان بالعمل الصالح والنية الصادقة.
رمضان ليس مجرد وقت يمر، بل هو عُمر يُبنى. فليكن صيامنا هذا العام "صيام المودعين" إخلاصاً، و"صيام المشتاقين" حباً وقبولاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق