الاثنين، 23 فبراير 2026

فوضى "الحظيرة" الفضائية.. حين يغتال "التريند" جلال الكلمة وسحر الصورة

بقلم: أحمد المهدي صفوت
مع إطلالة شهر رمضان المبارك، تفتح "حظيرة القنوات الفضائية" أبوابها على مصراعيها، ليندفع منها سيل عارم من الصور والكلمات، في سباق محموم لا يهدأ. نحن الآن أمام "سوق عكاظ" عصري، لكنه لا يعترف بجودة المعلقة بقدر ما يعترف بنسب المشاهدة (الرايتنج). هنا، يصبح لزاماً على المشاهد الواعي أن يتسلح بمشرط "الناقد"، ليفصل بين الغث والسمين، وبين الفن الحقيقي والاستهلاك العبثي.
المأزق بين "النص" و"العرض"
إن الإشكالية الكبرى التي نواجهها في هذا الموسم تكمن في الخلط بين النقد الأدبي والنقد الفني. فالأول هو "روح" العمل؛ يبحث في عمق السيناريو، ويفتش عن صدق الحوار وقوة الحبكة. هل الكلمة المكتوبة هنا تحمل رسالة؟ أم أنها مجرد "حشو" لملء ساعات البث؟ إن الكلمة هي البذرة، وإذا كانت البذرة فاسدة، فلن يشفع لها أجمل البساتين. أما النقد الفني، فهو "جسد" العمل؛ هو تلك العين التي ترقب حركة الكاميرا، وتناغم الإضاءة، وأداء الممثل الذي يحول الورق إلى لحم ودم. في "حظيرة" رمضان، نرى أحياناً إبهاراً بصرياً يحاول بائساً إخفاء ضحالة فكرية، أو نصوصاً أدبية رفيعة تاهت في زحام إخراجي مرتبك.
المشاهد الواعي.. لا الناقد المتخصص
ليس المطلوب من ملايين المشاهدين الجالسين أمام شاشاتهم في هذا الشهر الكريم أن يتحولوا فجأة إلى نقاد أدبيين يفككون شفرات النصوص، أو فنيين يحللون زوايا التصوير وحركة الكاميرا بصرامة الأكاديميين. فالنقد في جوهره ليس "مهنة" بقدر ما هو "موقف".
نحن نحتاج فقط إلى ذلك الحد الأدنى من الوعي والتمييز؛ المقدرة البسيطة على التفرقة بين عملٍ صُنع بحب واحترام لعقل المشاهد، وبين عملٍ آخر صُنع على عجل ليحجز مساحة إعلانية. نريد للمشاهد أن يدرك بـ "فطرته الفنية" الفرق بين الحوار الذي يلمس الوجدان ويحرك الفكر، وبين الصراخ المفتعل الذي يملأ الفراغ. وبين الكادر الذي يخدم المعنى، وبين الاستعراض البصري الأجوف. إن الوعي بهذا الفرق هو الذي يرفع ذائقة المجتمع، ويجبر "حظيرة القنوات" على تقديم ما يليق بنا، بدلاً من إغراقنا في تكرارٍ ممل لا يترك أثراً بعد انتهاء التتر.
دراما "المط" وضجيج الشاشات
إن الحتمية التي تفرضها علينا المشاهدة اليوم هي أن ندرك أن "العمل المتكامل" هو الذي يتصالح فيه الأدب مع الفن. لا يكفي أن تبهرني الألوان إذا كانت الشخصيات بلا دوافع منطقية، ولا يكفي أن يكون الحوار فلسفياً إذا كُتمت أنفاسه بكادرات ميتة. إننا في هذا الموسم نحتاج إلى العودة "للأصل"؛ إلى الكلمة التي تُبنى بعناية، والصورة التي تُصاغ بشغف، بعيداً عن صخب الإعلانات وتكرار الثيمات المستهلكة. إن النقد ليس ترفاً، بل هو "فلتر" ضروري حتى لا نغرق في بحر هذه الحظيرة الفضائية التي لا تنام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot