الأحد، 22 فبراير 2026

بيع المصانع بعد ثلاث سنوات إصلاح صناعي أم بوابة جديدة للمضاربة؟


أثار مقترح لجنة الصناعة في مجلس النواب بإلغاء أو تعديل قرار حظر بيع المصانع بعد ثلاث سنوات من بدء التشغيل، جدلًا واسعًا داخل الأوساط الصناعية والاقتصادية.
فبينما يُقدَّم المقترح باعتباره خطوة لتشجيع الاستثمار وتخفيف القيود، يراه آخرون بوابة مفتوحة لتحويل الصناعة من نشاط إنتاجي إلى أداة تجارة ومضاربة.
السؤال الجوهري هنا ليس قانونيًا فقط، بل اقتصادي وسياسي في آن واحد:
هل نريد مصانع تُنتج أم مصانع تُباع؟

قرار حظر بيع المصانع لفترة زمنية بعد التشغيل لم يأتِ عبثًا.
الهدف الأساسي منه كان واضحًا:
-منع تسقيع الأراضي الصناعية
-ضمان جدية المستثمر
-ربط الحصول على التراخيص والإعفاءات بالإنتاج الفعلي
-حماية فكرة المصنع كوسيلة إنتاج لا أصل للبيع
بعبارة أبسط، كان القرار محاولة لفصل المستثمر الصناعي عن التاجر العقاري.

المقترح المطروح يسعى إلى:
إلغاء الحظر كليًا، أو
تقليص مدته، أو
السماح بالبيع بشروط أخف
والحجة الأساسية هي أن القيود الحالية تعيق الاستثمار، وتخيف رؤوس الأموال، وتمنع إعادة هيكلة المصانع المتعثرة.
لكن المشكلة لا تكمن في النية المعلنة، بل في النتائج المحتملة.

في حال إلغاء الحظر أو تخفيفه دون ضوابط صارمة، قد نفتح الباب لسيناريو معروف:
مستثمر يحصل على أرض صناعية بسعر مدعوم
ينشئ مصنعًا بالحد الأدنى من التشغيل
ينتظر مرور المدة القانونية
ثم يبيع المصنع بالكامل محققًا أرباحًا سريعة
هنا لا نتحدث عن صناعة، بل عن تجارة مصانع.
النتيجة؟
مصانع تُبنى لا لتعمل، بل لتُباع.
وصناعة تتحول إلى سوق أصول.

المستفيد الأول في هذا السيناريو ليس العامل، ولا الاقتصاد، بل:
-سماسرة الأراضي الصناعية
-تجار المصانع الجاهزة
من يملكون القدرة على التمويل السريع والخروج المبكر
أما الخاسر:
-الدولة التي قدمت الأرض والتسهيلات
'السوق التي تحتاج إنتاجًا لا مباني
-المستثمر الجاد الذي ينافس مضاربًا لا منتجًا
أثر مباشر على قطاع السيارات والصناعات الكبرى
فتح باب بيع المصانع سريعًا قد يؤدي إلى:
-مصانع تُنشأ بغرض البيع لشركات أكبر
-خطوط إنتاج تُستخدم كواجهة للحصول على مزايا
-تضخم في مصانع على الورق دون قيمة مضافة حقيقية
وهذا يضرب فكرة توطين الصناعة في مقتل، ويحوّلها إلى سباق امتلاك أصول، لا بناء سلاسل إنتاج.

أخطر ما في تعديل القرار دون ضوابط، هو الرسالة التي تصل للمستثمر:
لا يهم أن تنتج المهم أن تبني وتبيع.
هذه الرسالة تقوض أي استراتيجية صناعية طويلة المدى، وتحوّل التخطيط الصناعي إلى نشاط قصير النفس، قائم على الربح السريع لا الاستدامة.
هل الحل هو المنع المطلق؟
بالطبع لا.
هناك حالات حقيقية تستحق المرونة:
-مصانع متعثرة
-ورثة غير قادرين على الإدارة
-شراكات فاشلة
-إعادة هيكلة ضرورية
لكن الفرق كبير بين المرونة المنظمة والفوضى المقننة.

إذا كان لا بد من تعديل القرار، فلا بد أن يكون مشروطًا بـ:
-حد أدنى حقيقي للإنتاج والتشغيل
-مراجعة جدية القيمة المضافة
-ردّ جزء من الدعم أو المزايا عند البيع
-منع بيع الأرض الصناعية كأصل مستقل
-رقابة صارمة على الغرض من البيع
بدون ذلك، سنكون أمام سوق جديدة لتجارة المصانع لا لتطويرها.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot