الأحد، 22 فبراير 2026

الرحلة بدأت


في صباح اليوم التالي، أستيقظ البيت على رتابة العادة، لا شيء يوحي بأن الأمور على وشك التغيّر. 

خرج كل مِن في البيت إلى عمله، بينما جلس "رفاعي" أمام كوب شايٍ بارد على الطاولة الخشبية القديمة، شارد الذهن، يغوص في أفكاره كأنما يسترجع كل ما مضى.

رنّ جرس الهاتف المنزلي، فانتفض قليلًا، ثم مد يده ورفع السماعة.

جاءه الصوت مِن الجهة الأخرى دافئًا، حازمًا، لا يزال يحمل نبرة أهل البلد رغم السنين:

— "يا "رفاعي… أنا أخوك "عزيز."

تهللت أساريره، وردّ بإحترام:

— "حبيبي يا أخي، الهاتف أنار بصوتك."

— "أصغي لي جيداً يا أخي، أريد أن تستخرج أوراقك اللازمة .

شهادة الميلاد، الموقف من التجنيد، البطاقة، وجواز السفر الجديد… جميع هذه الأوراق تكون جاهزة."

— " حاضر يا "عزيز" سأجهز ما طلبته مِن أوراق.

سأستخرج جميع ما طلبته وأجهز نفسي للسفر."

صمت "عزيز" قليلًا، ثم أردف:

— "أنا جهزت لك أوراقك هنا في "نيويورك"، لا بد مِن إكتمال أوراقك مِن عندك بمصر. 

أنا أحتاجك معي، والعمل هنا ينتظرك، وربي يسهّل لك جميع أمورك يا "رفاعي."

أغلق "رفاعي" السماعة وهو يشعر بشيء مِن القلق، وشيء مٌن الحنين… وكثير مِن الحيرة.

في المساء، عاد الأبناء واحدًا تلو الآخر، تعب الأيام بادي على وجوههم. جلسوا حول المائدة بصمت، إلى أن تنحنح "رفاعي"، ثم قال بصوت هادئ لكن حاسم:

— "أولادي… عمكم عزيز أتصل اليوم. وطلب مني استخراج الأوراق اللازمة للسفر…"

رفعوا رؤوسهم دفعة واحدة. بدت علامات الدهشة على ملامحهم، خصوصًا "محمد"، الذي قال بنبرة لا تخلو مِن الخوف:

— "تسافر.....؟! 
تتركنا يا أبي.....؟"

أبتسم "رفاعي" بمزيج من الحنان والتعب، وقال:

— "لن أترككم… أنا ذاهب مِن أجلكم . 
المستقبل هناك… ليس هنا. أنا تعبت مِن العمل الذي على قدر سد احتياجات البيت ."

سادت لحظة صمت ثقيلة، ثم قالت الابنة الصغيرة "سحر" وهي تلعب بشريط شعرها:

— "بابا على تشتري لي فستان من هناك..؟"

ضحك "رفاعي" رغم غصة في صدره، وقال:

— "مِن عيني يا حبيبتي… أجمل فستان من "نيويورك" نفسها."

و في أعماقه، لم يكن رفاعي مطمئنًا، فالسفر بالنسبة له لم يكن مجرد إنتقال مِن بلد لبلد، بل كان هروبًا مِن أشياء لم يتحدث عنها لأحد، ونظراً لظروف المعيشه ، وكثرة الإحتياجات مع نضوج وكبر أولاده أمام عينه.

كان هناك شيء في قلبه يُثقل عليه…
ربما هو ما رآه في  يومًا ما…
وربما… تلك الأيام السوداء لم تغادر ذاكرته بعد، عند حريق الباخرة.

لكن الرحلة بدأت، والأوراق ستُستخرج، والوداع يلوح في الأفق.                                         بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot