بقلم: أحمد المهدي صفوت
لم تكن العقوبات التي فُرضت على ليبيا يومًا مجرد خلافٍ سياسي عابر، بل كانت حصارًا مُحكمًا صيغ بقرارات دولية، وتحت لافتات جاهزة: أسلحة كيميائية، برنامج نووي، وتهديد للأمن الدولي. ومع تصاعد الضغط، اتخذت طرابلس القرار الذي قُدِّم للعالم باعتباره “حكيمًا”؛ فُتحت الأبواب أمام لجان التفتيش، وسُلِّمت الملفات، وتحوّل ما كان يُوصف بترسانة الردع إلى شحنات تُنقل خارج الحدود.
في عام 2003 أعلنت ليبيا تخليها الكامل عن برامج أسلحة الدمار الشامل، فسلّمت مخزونها من غاز الخردل والمواد الكيميائية، ووافقت على تفكيك أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم، وكشفت عن وثائق برنامجها النووي، كما تم نقل المعدات الحساسة إلى الخارج تحت إشراف دولي وأمريكي مباشر. لم تكتفِ بذلك، بل فتحت أراضيها لفرق المراقبة، وقدّمت نموذجًا قيل وقتها إنه سيقودها إلى الاندماج في المجتمع الدولي ورفع العقوبات وعودة الاستثمارات.
لكن السؤال الذي لم يُطرح بوضوح: ماذا حدث بعد أن جُرِّدت الدولة من أوراق قوتها؟
بعد سنوات قليلة، ومع اندلاع أحداث 2011، تحولت ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتدخل العسكري. الطائرات التي كانت تتحدث عن حماية المدنيين كانت تقصف بنية الدولة ذاتها، والجيوش التي رحّبت بعودة ليبيا إلى “الشرعية الدولية” كانت أول من شارك في إسقاط نظامها. انتهى المشهد بمقتل معمر القذافي بطريقة صادمة، وتفكك مؤسسات الدولة، وانقسام الأرض بين حكومات وسلطات وسلاح خارج السيطرة.
فرنسا والولايات المتحدة، ومعهما حلف الناتو، لم يكونوا مجرد مراقبين على الفوضى، بل كانوا جزءًا من لحظة التحول الكبرى التي نقلت ليبيا من دولة موحدة إلى خريطة من الصراعات. النفط أصبح عنوانًا للتنافس، والميليشيات واقعًا يوميًا، والهجرة غير الشرعية بوابة ضغط جديدة على أوروبا، بينما الشعب الليبي يدفع ثمن سنوات من الانهيار.
التجربة الليبية لم تعد مجرد فصل في كتاب السياسة الدولية، بل تحولت إلى نموذج يُستدعى كلما طُرحت مسألة التخلي عن أدوات الردع. فالدولة التي سلّمت برامجها الاستراتيجية طوعًا لم تحصل على ضمانة لبقاء نظامها ولا على حماية لوحدة أراضيها.
وهنا يبرز السؤال الأكبر في الإقليم: هل ما جرى كان درسًا في نزع السلاح أم درسًا في موازين القوة؟ وهل يمكن لدولةٍ تشعر أن قدراتها الصاروخية أو النووية تمثل عنصر توازن أن تقبل بالتفكيك الكامل دون ضمانات حقيقية وملزمة؟
إن قراءة المشهد اليوم، في ظل التوترات الدولية، تؤكد أن السياسة لا تُدار بالنوايا بل بالمصالح، وأن مفاهيم التفتيش والرقابة تُطرح دائمًا في إطار ميزان القوة لا في فراغ القانون وحده.
ليبيا، التي كانت يومًا دولة ذات قرار مركزي وثروة نفطية هائلة، أصبحت مثالًا صارخًا على أن سقوط هيبة الدولة يفتح أبوابها لكل صراع. وبين الأمس واليوم يبقى السؤال معلقًا:
هل كان تسليم السلاح بداية السلام… أم بداية النهاية؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق